الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٣٣٦

وما بدلوا تبديلا. ولم يطرأ تغيير على موقف الحكومة المصرية تجاهي أنا شخصيا، وتجاه أسرتي. فلقد كنت ضيفا موضع ترحاب واحترام ولكن موضوع زنجبار لم يعد على قمة الأجندة الرسمية. فالحكومة كانت ترى ضرورة إعادة بناء الجسور مع الغرب. وعلى طول ذاك المسار تقع تنزانيا نيريري، طفل الغرب المدلل أزرق العينين.

عاشرا: رضوخ عبد الناصر للاعتبارات النفعية

من مقتضيات الإنصاف بالنسبة لنظام حكم السادات، يلزم القول بأن التغيير بدأ بالفعل على يد عبد الناصر نفسه. فلقد أقنعه صديقه أحمد بن بلا، ومحمد فايق مستشاره في الشؤون الإفريقية بأنه من الحكمة التوصل إلى تسوية مع السفاحين الذين أطاحوا

بالحكومة الوطنية الزنجبارية، لاعتبارات عديدة، في مقدمتها:

أ- الحكومة المطاح بها حكومة ملكية، وبالتالي فإن الرجعية متجذرة فيها.

ب نظام الحكم الغاصب يحظى بمساندة شعبية، ويقوده يساريون معروفون بالرفاق، وهو من ثم، تقدمي ومنزه عن الخطأ.

وانخدع عبد الناصر. ولم يعرف هو، أو مستشاروه، أن "الثورة" هي في حقيقة أمرها عملية غزو خارجي، بالتواطؤ بين الاستعماريين وأذنابهم ورحب عبد الناصر بنيريري، وصافح يده ويد كارومي المخضبتين بالدماء، وهما لا تزالان تفوح منهما رائحة وبخار الدم النازف من ألوف الزنجباريين. ورضخ لمطلبهما الخاص بإغلاق بيت شرق إفريقيا الكائن بمنشية البكري الذي

أسسه بنفسه قبل ذلك بسبع أو ثمان سنين، لمئات من الطلبة من زنجبار ومن بقية بلدان شرق إفريقيا فيما لو احتاجت إليه. وبإملاء من نيريري وكارومي، نبذ عبد الناصر مشروع المعونة التعليمية لزنجبار برمته. وكان من بين مكونات ذلك البرنامج مشروع مجاز يتعلق بإنشاء جامعة في زنجبار لمسلمي شرق

ووسط إفريقيا.

ومما يبين أن عبد الناصر رضخ لاعتبارات الإنتهازية السياسية الضالة، ولم يتمسك بالحق الإخلاقي الذي قطعه بشكل مبدأي على نفسه، أنه قام بزيارة رسمية لدار السلام وزنجبار. وتخلى عبد الناصر بفعله هذا الناجم عن مشورة، مضللة عن مودته وحبه للوطنيين الزنجباريين، دون أن يحصل في المقابل على أي شئ من نيريري وكارومي وأتباعهما. فمصر، بل كل شمال إفريقيا عربية، وهذا يكفي لاستحاقاقها اللعنة في نظر أولئك السود الشوفينيين. وخرج فايق وبن بلا بخفي حنين، رغم كل ما بذلاه من جهود في نيل رضا نيريري وكارومي. وأهاب نيريري في اجتماع سري عقده مع قادة المناضلين الأحرار" في دار السلام، بأولئك القادة الأفارقة، أن "يأخذوا حذرهم من بيض شمال إفريقيا، باعتبارهم أخطر من بيض جنوب إفريقيا". علمت ذلك من كرستيان أوبيرا، نائب رئيس مخابرات أوبوتي السابق، حينما كان معي بالمعتقل، في سجن دودوما، والذي كان من بين من حضروا ذلك الاجتماع. فبيض شمال إفريقيا عليهم في نظر نيريري لعنة مضاعفة، بسسب عرقهم، وبسبب دينهم.

وبات واضحا مع مرور السنين باضطراد، أن حكام تنجانيقا وزنجبار ليسوا إلا فاشيين مسعورين، وأن العباءة الاشتراكية التي

665

664