الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٣٤٠وأكثرهم خبرة. وتبني الحاضرون مشورته، وتنفست زوجتي وأولادي الصعداء، حينما خرجت من الاجتماع، وأبلغتهم بالقرار النهائي. وحتى بعد عودة أولئك المندوبين، إلى البلدان التي وفدوا منها، لم يكن ذلك القرار موضع ترحيب بوجه عام. وساورت البعض الشكوك من أن يكون الخور قد دب في قلبي، أو حتى أن أكون قد تحولت إلى خائن للقضية، أو أن يكون السجن قد جعلني حريصا إلى درجة الجبن.
تمثلت خطتي في أننا بحاجة إلى بذل جهد كبير لإعادة بناء معنويات شعبنا فى بيمبا وزنجبار المحطمة والمروعة، قبل أن يغدو بمقدورنا القيام بأي شئ آخر. فالنضال بجهود قلة مخلصة ممن يعيشون بالمنفى، مهما كانوا صورا لن يثمر الثمرة المرجوة. ونحن بحاجة إلى قاعدة بالداخل ينبغي أن تستوعب الشعب كله، أو على الأقل قطاع كبير منه في الوقت المناسب. وينبغي علينا أن نرضع شعب زنجبار الوطنية المرتكزة على وازع ديني، والمؤسسة على الحق الأخلاقي وليس على الانتهازية السياسية. والقيام بمهمة بهذا المستوى يحتاج إلى وقت، وتخطيط وصبر، ومثابرة وجهد شاق.
وقلت لزملائي أنني شرعت بالفعل في هذه المهمة وأنا بين جدران السجن. فلقد هزمنا بيسر بالغ لأن عودنا كان لا يزال طريا من الوجهة الأخلاقية. وفقدت الاستقامة الفكرية والأخلاقية التي استلهمنا منها نضالنا ضد الاستعمار، زخمها ولابد من إحداث إحياء روحي وأخلاقي. فليس بوسعكم تحرير بلد، لا يشعر أبناؤه بالذنب من تكديس الممتلكات المصادرة، ولا يحسون بالعار من التواطؤ مع الطغاة، والغاصبين، ولا يشعرون بالحاجة الملحة سبقتال
ول باد
لمجابهة الشرور بكل صنوفها، ولا يجدون غضاضة من كسم قوام حياتهم من بيع الخمر أو المخدرات، أو من تعرية أجسادهن أو أجساد أخواتهم وبناتهم، بما يثير شبق الفاسقين. إن بلادنا بحاجة إلى ثورة في الأخلاق والسلوكيات. وهذا هو ما يجب أن نتعاهد عليه الآن.
ويلزمنا قبل أن نقاتل من أجل الحرية، أن نستعيد قيمنا التقليدية واعتزازنا بتاريخنا، ونجذر الإحساس بالعار تجاه ظهور أدنى أثر للتعصب العرقي أو القبلي، ونبني الإحساس بالإثم في قلب كل إنسان من حيازة ما هو مملوك لغيره، أو الانتفاع به إلا بالتعاقد معه وبرضاه. ولا مندوحة عن توبة نصوح من المشاركة آنفا، أو حتى من مرافقة من ارتكبوا المجازر وأعمال السلب والنهب والاغتصاب، التي صاحبت ما يسمى الثورة. وعلينا أن نؤسس إجماع وطني على المصلين بالمساجد، أن يحتجوا بصوت مرتفع على مصادرة ممتلكات الأوقاف المخصصة لعمارة بيوت الله. يجب أن يدرك كل من استفاد من تلك الممتلكات المأكولة بالباطل بطريقة أو بأخرى أن حجهم إلى البيت الحرام مردود عليهم مأزور غير مأجور، وصلاتهم غير مقبولة، وسيفضي ما أكلوه
منها في بطونهم بهم إلى نار السعير
إن الثورة الحقيقية هي الثورة الوطنية التي يستلهم منها الشعب الوحدة والاستقامة الأخلاقية. إنها هي الثورة المؤسسة على التعاليم المنزلة من عند الله كما بينها لنا آباؤنا ومعلمونا ومشايخنا فى المدارس والمساجد، وكما بسطت على صفحات جريدة "المرشد" الأسبوعية، والتي لن تستطيع التعاليم الثوري الاستعمارية أن تبقى على قيد الحياة، في مواجهتها فلم تكن
673
672