الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٣٦البيض الحصينة. وبذلك، أن الحزب الوطني الزنجباري فتح أرضية جديدة بكل معنى الكلمة. وحجته في ذلك أنه إذا انشغلت كل طائفة بمصالحها، فمن يرعى مصلحة زنجبار والزنجباريين؟ ولم تكن زنجبار مفهوما غامضا، بل كانت كيانا صلبا ملموسا وقانونيا. وعليه كان لزاما أن يتحد جميع أبناء زنجبار في أمة واحدة لا تتجزأ بصرف النظر عن الجنس واللون والمذهب العقيدي، ضمن ما يسمى (الوطنية) والتي هي منقطعة الصلة بالعقلية المنغلقة والشوفينية وهي بالعكس نابعة من نية منفتحة الأفق لاحتضان الشعب بكل أعراقه ومذاهبه، علي النقيض من تلك الجمعيات الطائفية الضيقة الأفق المشوهة بشبحها لما كان لولاها كلا متناغما وبتعبير آخر كانت دعوة الحزب الوطني إن كل الزنجباريين، أو بلغة القانون كل رعايا سمو السلطان، يجب أن يتناسوا ما بينهم من فروق ويتكاتفوا معا في خدمة الصالح العام ورفاهية بلدهم.
فالمواطن الزنجباري أو رعية سمو السلطان هو شخص ينتمي لأي عرق، ولأي عقيدة، ولد في زنجبار التي كانت تضم الشريط الساحلي الكيني حتى عام 1963، أو كان من أصول زنجبارية أو حصل علي الجنسية الزنجبارية وفق القانون. وكانت رسالة الحزب الوطني الزنجباري من بداية عهده بالوجود هي تحقيق الوحدة الوطنية. ولم تكن الغاية منه أن يكون حزبا من بين أحزاب أخرى لمجرد ترف التعددية الحزبية، وإيجاد ما قد يكون حكومة أو معارضة.
فلقد كانت هناك في الحاضر والمستقبل المنظور حكومة قائمة ترسخت أقدامها بطريقة أو بأخرى، وهى الحكومة الاستعمارية
البيروقراطية المستبدة، يديرها ما يتراوح بين مائتين وثلاثمائة
مسؤول مغترب يمثل بقية الشعب، في الواقع، رعايا لهم ومعارضة هزيلة بلا حول ولا قوة. وأراد الحزب الوطني الزنجباري أن يعطي لتلك المقاومة قواما وأسنانا وليكون فعالا لزم أن يكون موحدا. فبالوحدة كان ذلك الحزب الصغير حديث العهد بالوجود قليل الخبرة، أصيلا ومتحمسا وصادقا. وحين التقيت أنا وعبد الرحمن محمد، بابو، بجورج بادمور ذلك الإفريقي من جزر الهند الغربية في بيت شرق إفريقيا بلندن عشية مغادرتي انجلترا عام 1955 قررنا بناء علي نصيحته، إنشاء حزب من هذا القبيل، بمجرد عودتي
وغمرني سرور بالغ حين وجدت أن جماعة من الأفارقة من أصول شيرازية وإفريقية من البر الأفريقي قد أنشأوا ذلك الحزب بالفعل، وهم بلا ريب زنجباريون بالعرق وبالمواطنة. وفي غضون ستة أشهر اكتسبت عضوية الحزب رسميا، وصرت عضوا نشطا فيه. وكان من أنشأوا تلك الحركة أناس شيمتهم البساطة،
ومعظمهم من القرويين.
ولم أدخر وسعا في محاولة إقناع أصدقائي من المثقفين الإفريقيين حاملي المؤهلات العليا بمؤازرة تلك الحركة صراحة أو من وراء حجاب. إلا أن جهودي باءت بالفشل. فاتحت عثمان شريف، وعلي خميس وعبود جومبي، والدكتور كنجوابا حسن والمعلم قاسم عبد الحافظ، وهو أحد أساتذتي سابقا، وغيرهم. إلا أن كل واحد منهم تعلل بعذر أو بآخر. بل إن أبا الليل مبوانا، وهو مفتش صحة متقاعد، وافق علي أن يسجل اسمه كمرشح عن الحزب عن دائرة بومبويني التي يقيم بها في أول انتخابات
69
68