الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٤١

وأندونيسيا. ومن ثم اقترح الأسقف النرويجي أنه " في ضوء ما قيل عن الأنشطة التبشيرية في شرق إفريقيا وأندونيسيا، فإن علينا أن نسجل أسفنا ونطلب العفو من الله تعالي علي تلك الأعمال المضادة تماما لروح المحبة المسيحية". وانتهي النقاش إلي التوافق علي تبني ذلك الاقتراح النرويجي، وأعرب المشاركون و المسيحيون عن تعاطفهم الكامل مع إخوانهم المسلمين، بخصوص

الأخطاء الأخلاقية التي ارتكبت بحقهم.

وفي فترة استراحة بين جلسات الحوار، تجولت مع الأسقف النرويجي، والأسقف البريطاني، والدكتور جون ب تايلور. وانتهي بنا المطاف في مقهي، جلسنا به لتناول فنجان شاي. وطرح أحد الرفاق السؤال حول الفصل بين الكنيسة والدولة. وأجمعوا جميعا علي أن الإسلام لا يعرف الفصل بين الدين والدولة، وأن ذلك أعاق التقدم وتمخض عن صراعات لا مفر منها.

قلت لهم أنهم يتحدثون عن شئ لا وجود له في الغرب أيضا، لأن العلاقة بين الكنيسة والدولة جد وثيقة فيه، بل إن عراها أوثق من عرى العلاقة بين المسجد والدولة فيما يعرف بالدول الإسلامية. فردوا علي مقولتي بالرفض المطلق.

ية رفض

قلت لهم، أن الأحزاب الديموقراطية المسيحية في الغرب تحظ بنفوذ سياسي واسع. وليس بالأمر الغريب أن تكون هي الأحزاب

الحاكمة، كما شهدت ألمانيا وإيطاليا.

رد رفاقي المسيحيون بأن كلمة "مسيحي "الكائنة في أسماء تلك الأحزاب لا تشير إلي الدين المسيحي، بل هي لمجرد التمييز بين تلك الأحزاب والأحزاب الأخرى كالحزب الاشتراكي الديموقراطي.

صممت علي أن الأسماء تتضمن مؤشرات علي جوهر تلك الأحزاب. ولو كان المجتمع الغربي والعمل السياسي الغربي علماني بحق كما يقال، لوجب تحاشي المضامين الدينية. ثم إن اللقب الرسمي للعاهل البريطاني هو "حامي الدين". فأي دين؟ إن كنيسة انجلترا بالطبع والعاهل البريطاني ينتميان دستوريا إلي الكنيسة الرسمية وأساقفة تلك الكنيسة هم بحكم مناصبهم الرفيعة أعضاء في مجلس اللوردات الذي هو أحد مجلسي البرلمان البريطاني، بل هو المجلس التشريعي الأعلي. وحتى عام 1858 م لم يكن من المسموح به لغير المسيحي المعمد أن يكون عضوا بالبرلمان. ومنع روتشلد ثلاث مرات من أن يتبوأ مقعدا في البرلمان لكونه يهوديا رغم فوزه بالمقعد في الانتخابات.

ويخضع الملك في المملكة المتحدة للكنيسة، كما تجلي في إجبار الكنيسة الملك إدوارد الثامن علي التخلي عن العرش. فلم تجز أسقفية كانتربري زواجه من سيدة مطلقة، رغم أن القوانين العلمانية تجيز الطلاق ولا تمانع في زواج المطلقة. والكنيسة، في هذا المثال، نقضت السلطة العلمانية، بل والسلطة الملكية.

وفي حين تحظى الأحزاب المسيحية بالقبول وتمنح تراخيص غير مشروطة للعمل، والإمساك بمقاليد السلطة، فإن ضغوطا دولية مباشرة وغير مباشرة تمارس من أجل منع وصول أي حزب في أي بلد إسلامي له ميول إسلامية صريحة أو محتملة، إلي السلطة. ومثل هذه الأحزاب تطارد وتقمع في أي مكان تحاول فيه أن ترفع رأسها بأي شكل من الأشكال. فالمسألة في الغرب ليست مسألة المسيحية في مقابل الأديان الأخرى، بل هي هي مسألة الكنيسة الرسمية التي تهيمن علي كل ما عداها. ولقد شهدت

79

78