الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٥٨

رضي كل الرضا به، وناشد خلانه بكل قوة أن لا يصعدوا الأمر أكثر من هذا الحد. وأصر علي أن ما حصل عليه يغطي احتياجاته، ويزيد، ويساوي أكثر من الجهد الذي بذله في كتابة تلك الرواية. تلك كانت درجة بساطته وشفافيته.

وحين ذهب علي باكثير للدراسة بمصر، كانت له زوجة في مال حضرموت. وفي مصر ألقى على كاهل نفسه بعبء إضافي، حيث تزوج بسيدة تكبره في السن، ولها أطفال من زوج سابق. ومن ثم صار مطالبا بالإنفاق علي أسرة كبيرة، ليست أسرته الأصلية، بل أسرة زوجته المصرية.

وحكى لنا الدكتور عبد العزيز اسحاق كل هذه الحكاية عن الأديب باكثير، بعد أن كان قد اتصل به هاتفيا، وأبلغه أنني معه.

إلا أن علي رد بأنه يسعده رؤية أقاربه، ولكنه مرتبط بموعد مهم.

وثمة شعور أخوي قوي يربط بين أبناء شرق إفريقيا وجنوب جزيرة العرب والخليج. فالرياح الموسمية الشمالية والجنوبية أقامت أواصر عرقية وثقافية وتجارية متينة بيننا على مدى ألوف السنين. ومن هنا فإنه لا غرابة في أن تجد باليمن وساحل شرق إفريقيا زنجباري، وتجد شيرازي في إيران وفي كينيا، وتجد برا (ابرا) في عمان وفي براوا بالصومال، وسفالا في اليمن، وسوفالا في موزمبيق، وباكثير، أو الكندي الذين انحدر الباكثير منهم في اليمن وعمان وشرق إفريقيا، بل في أماكن تصل إلي ماليزيا

وأندونيسيا.

علي باكثير علي سبيل المثال حضرمي الأصل، ولد في أندونيسيا، وأرسله أبواه شابا إلي اليمن ليتشرب عبق جدوده. ومن

هنا نقرأ علي شاهد قبره هنا في القاهرة رفات علي أحمد باكثير. ولد في أندونيسيا. وشب وترعرع في حضرموت. وتعلم ومات في مصر ". وربما كان عالمنا الباكثيري الشيخ عبد الله أكثر علماء شرق لإفريقيا، بركة بالنظر إلي عدد العلماء المتبحرين في العلم الذين تتلمذوا علي يديه، وكانوا من حوارييه. وكما يلقب الإمام الشافعي بـ"إمام الأئمة"، يمكننا أن نسمي عبدالله باكثير عالم العلماء". فهو مؤسس مدرسة باكثير، التي لم تكن مبنى معماري، بل مدرسة معرفية ذات صبغة خاصة بها في بناء العلم والاتجاه، والشخصية، والسلوك والمنهج.

فعلي يديه تربى علماء نشروا العلم الإسلامي في كل أرجاء شرق ووسط أفريقيا. وعلي أيديهم بدورهم تربى جيل آخر من العلماء، وهكذا دواليك. . وهو نفسه كان ثمرة تقاليد الرياضة الدينية الصوفية في لامو، منبع الثقافة الإسلامية في المنطقة وسادت تلك التقاليد في أوكوتاني في زنجبار بالمسجدين التوأم البرزة و جوفو. وكان الشيخ عبد الله نفسه تجسيدا حيا للتصوف الحق والاستنارة الروحية والأخلاقية المسمتدة من منبعين لا ثالث لهما: القرآن الكريم والسنة النبوية، مع التجنب التام على الدوام للتأمل الصوفي الفلسفي المجرد، وتحاشى الإنخراط في التجاوزات

البدعية الشائعة.

وتخصص مسجد البرزه في تقديم الدروس الأولية للمبتدئين. أما مسجد جوفو فيقدم التعليم العالي. أما أكوتوتاني نفسه منزل الشيخ المتواضع المكون من طابق واحد فكان مخصصا للدراسات العليا والبحوث. وفي ذلك البيت احتفظت بذكريات عن شخصية الشيخ عبد الله المرحة والمتألقة، بينما كنت طفلا بالغ الصغر. لم

113

112