الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٥٩

يكن عمري يتجاوز الرابعة، وكان ابنه الشيخ أبوبكر يحملني على

كتفه.

وأحببت الشيخ أبابكر من كل قلبي، ليس لأنه كان يطعمني الكاجو الحلو القادم من لامو، الذي كنت أحبه فحسب، ولكن لأن جميع أفراد أسرتنا كانوا يعتبرونه أخا لأبينا. وهذه حقيقة لا مراء فيها. فلقد قال والدي ذات مرة أنه حزن علي موت شيخه أكثر مما حزن علي موت والده. فكان الشيخ أبوبكر عما لي ولأخوتي وأخواتي. وكان من العادات التي اتسم بها الشيخ أبوبكر أن يعطر يديه ولحيته بأغلي الطيب الشرقي وكنت أستمتع بحمله لي حيث أشم رائحة لحيته. ولما كبرت كنت شغوفا بتقبيل يده والتطيب ببعض ذلك العطر الفواح.

وحينما مات الشيخ عبد الله خلفه والدي في نظارة المدرسة وأصبح زملاؤه من الطلبة بشكل آلي تلاميذ له. بل إن الشيخ عبد الله عهد قبل وفاته لوالدي بتدريس الدروس الأكثر تقدما. وذات مرة ترك الشيخ عبد الله كل التزاماته في المدينة لعدة أشهر، وذهب إلي منزل والدي الريفي في كيتندو، ليركز علي تعليمه علي مدار

الليل والنهار ليؤهله ليكون خليفته الروحي والأكاديمي

واعتاد والدي أن يحكي لنا كيف بدأت الصلة بينه وبين الشيخ عبد الله باكثير فعند بلوغه سن العشرين كان متعطشا للمعرفة وبحث عنها عند كل من قد يجد عنده. بغيته. سأل إمام المسجد المقابل لبيتنا في الباغ، الذي بناه بالمناسبة محمد بن عدي البرواني شقيق جد الشيخ عبد الله باكثير من جهة أمه. ولكن ذلك الإمام قال له: أنا لا أعلم جاهل". لم يرد والدي، ولكنه قال لنا: " لو لم أكن جاهلا ماذا كان يجعلني أذهب إليه؟ إن الجاهل هو

الذي يبحث عن المعرفة" وكان لوالدي ابن عم آخر هو عبد الله بن سالم، أصبح فيما بعد صهره، كان أكثر أضرابه الشباب ثقافة دله على شيخ علامة جاء مؤخرا من لامو. واصطحب والدي إلي مسجد جوفو، وقدمه إلي الشيخ عبد الله علي أنه أخوه. ومن يومها بدأ والدي حياته الجديدة كحواري لذلك العالم الورع.

وبعد وفاة الشيخ الكبير، عين السيد أحمد بن سميط والد السيد عمر، والدي والشيخ أبا بكر رسميا، لرئاسة مدرسة باكثير.

وكان لوالدي نظام راتب. يذهب في الصباح الباكر بعد صلاة الفجر إلى أوكوتاني بالمدرسة، ليترأس حلقة علمية تضم مجموعة صغيرة من العلماء. وكان نهجه في تعليم هذه الحلقة ممن يمكن وصفهم بطلبة الدراسات العليا والرفاق المريدين هو البحث والمداولة، حيث تطرح قضايا موضوع البحث، الواحدة تلو الأخرى. ويتم البحث في أدق تفصيلاتها وتعقيداتها، من كل جوانبها اللغوية والشرعية والدينية والروحية. ويتحلقون جميعا حول مائدة مستديرة مكتظة بمراجع ضخمة، وكانت من بين المصادر المتاحة بتلك الحلقة الدراسية مؤلفات المدارس الفكرية الإسلامية المختلفة كالمعتزلة والأباضية والسلفية والصوفية. وأعلم أن والدي كان يستشهد عند اللزوم بتفسير الزمخشري للقرآن الكريم المعروف بالكشاف، وبالموسوعة الفقهية لمحمد بن أطفيش فى الفقه الأباضي الموسومة ب: شرح النيل. ومن بين الطلبة، أو زملاء والدي من طلاب العلم الذين كانوا يعلمون أنفسهم حول تلك المائدة في أوكوتاني، تحت رئاسة والدي الشيخ أبو بكر، والشيخ أحمد مولومري والشيخ محمد بن

115

114