الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٦

وألفيت نفسي أمام مؤلف، موضوعه في عمق التنظير السياسي الرابط بين الإسلام والعروبة وإفريقيا. وعايشت على مدى شهور تفرغت خلالها لترجمته، وللقراءة فى موضوعه، الإحساس بالتقصير بحق أمتي وبواجب السعي إلى التخفف من حالة الجهل بحاضرها وماضيها.

وشعرت بأنني صرت مملوكا لرباعية، ضلعها الأول هو: التيسير من الله تعالى لي على نحو فريد لإنجاز مهمة الترجمة وضلعها الثاني هو: الملازمة لموقع التلميذ المتعلم من دروس النموذج الذي يقدمه المؤلف. وضلعها الثالث: هو الحزن على ما ألم ولا يزال يلم بأمتي من محن، بينما تعم الغفلة قطاعات عريضة منها، بين حدي المبالغة في حسن النية والنزعة الفردية المبنية على وهم البعض بأن بوسعهم أن يتجنبوا حياة الضنك، ويعانقوا الحياة الطيبة، ويتأهلوا للإرتقاء في الأسباب، ولأن يأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولأن تفتح عليهم أبواب الخيرات من السماء والأرض، من أي باب غير التماهي مع هوية أمتهم الواحدة الشاهدة غير القابلة للتجزئة، وتحصينها والتحصن بها. والضلع الأخير هو: مزيد من الإيمان بأن لا مخرج لأمتنا مما تردت فيه غير عملية تنشئة إسلامية، تقوم على تخلية عقل الأمة من الأوهام والمغالطات، وعلى التحلية بشحنه مجددا بمنظومة قيم التوحيد الإسلامي. وتجلي الدراسة التي بين أيدينا الخطوط العريضة لتلك التخلية والتحلية، وترسم معالم الضوابط والمعايير التي تحتاج أمتنا إليها في مواجهة ما أصاب فكرها النابع من تكلس، وما أصاب فكرها الوافد من سيولة وقصور في الانتقاء والتمحيص، وما تناهب خطط الإصلاح الإسلامية، الإنسانية الأفق، الجادة، من تحديات ومحاذير

وهكذا وضعني المؤلف رحمه الله ومعي القارئ، ليس أمام زنجبار بمقاييس الجغرافيا، بل أمامها بمقياس الهوية الجامعة، وكأنها عينة دم يحلل من خلالها طبيب ماهر على نحو فريد حالة، أمته، ويستخلص سننا إلهية كونية لا زمانية ولا مكانية بخصوصها، ويحدد وصفة تعافيها واستعادتها لمكانتها ولدورها السرمدي في نشر السلام فيما بين شعوبها من جهة، وفيما بين شعوب العالم قاطبة من جهة أخرى. وتفصيلات واحة الخريطة الفكرية للدراسة التي بين أيدينا تحتاج من القارئ قراءة واعية ومتأنية لهذا العمل الفكري الذي يقدم المؤلف فيه خلاصة تجربته، بل حياته، والذي يعد من الصناعات الفكرية الثقيلة التي يأخذ منها كل قارئ بقدر طاقته. ويستحيل أن يتعاطى معها أي قارئ وهو مسترخ ومتكئ على أريكته.

أما ما أقدمه في هذا التصدير فهو مجرد إطلالة خاطفة على ثلاثية القضية المركزية للدراسة، ونواتها، ومفاصل الخيط الفكري الناظم لها، على أمل تسويغ دعواي التي عنونت بها هذا التصدير بأنه ذاكرة أمة بقلم واحد من أنبه علمائها، كان وسيظل بفكره عالم أمة.

أما القضية المركزية للدراسة فهي الحالة المتردية لأمتنا والمخرج منها. وتنطلق الدراسة هنا من الحالة الزنجبارية مستدعية لماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها وهي، للأسف، تقيم في هذا السياق الحجة على الأجيال الأخيرة من أمتنا بأنها درجت سباعية ممقوتة فهي لا تتعلم من ماضيها. وتلدغ من الجحر الواحد أكثر من مرة. وتغرق في حسن النية كثيرا إلى حد لا تأخذ معه بالأسباب. وتتغافل عن سنن التدافع بين الخير

9

8