الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٦٥والسواحيلية لغة مقروءة ومكتوبة كانت تكتب عادة في الماضي بحروف عربية. ومع مجئ الاستعمار باتت تكتب رسميا بحروف لاتينية. وترتبت علي ذلك التحول من الأبجدية العربية إلي اللاتينية مزايا وعيوب
فمن جهة انتشرت تلك اللغة بدعم من المستعمر بسرعة أكبر وبدرجة أعلى من الانتظام والكثافة بالقياس بما كانت عليه من قبل وازداد عدد من يقرأون ويكتبون بها.
إلا أن ذلك تم علي حساب جزالة اللغة وجمالها. فلقد حافظت الأبجدية العربية علي النطق الصحيح الأصيل للغة السواحيلية. أما الحروف اللاتينية فجردت تلك اللغة من أساسها، وأصابتها بالعقم. وجعلتها بنطقها وفق مقتضيات تلك الأبجدية لغة مسطحة بلا عمق. ويشعر المرء بذلك علي وجه الخصوص حين يستمع إلي المطربين المعاصرين والموسيقى المعاصرة، ويقارنهم بمطربي
الماضي.
والقلة المحظوظة التي لاتزال تنطق اللغة السواحيلية علي أصولها الصحيحة هم من لم يدرسوا في مدارس علمانية مسخت فيها لتتمشى مع قيود الحرف اللاتيني. وحتى تلك القلة باتت اليوم مضطرة للانصياع لتأثير الأغلبية ولوسائل الإعلام الجماهيرية
السائدة من صحافة وإذاعة وتلفاز.
ومنبع هذه المأساة هو حقيقة أن من فرضوا طريقة النطق والتهجي وبنية الجملة المتلاعب بها، كان معظمهم في المقام الأول من رجالات الإرساليات التبشيرية أو الاستعمار. وعاون الأفارقة الذين كانت اللغة السواحيلية هي لغتهم الثانية بدورهم
هؤلاء الأوربيون العابثون بتلك اللغة. وأصبح الإفريقي المدرد علي يد البعثة التبشيرية المدعوم من أوروبا هو المرجعية في شؤون تلك اللغة والنموذج الذي يقاس عليه. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا تم إخضاع اللغة السواحيلية دون بقية اللغات لهذا النوع من الشد والجذب علي يد أناس ليست هي لغتهم الأم؟ ثمة مبررات محددة وواضحة سأحاول تحليلها.
فحين وصل المبشر / المستعمر، وجد في شرق إفريقيا علي النقيض مما كان يتوقع بالمقارنة بما رآه في أجزاء أخرى من إفريقيا جنوب الصحراء، أن للسواحيلي دين توحيدي منزل، له قيمه وأعرافه وشريعته. ووجد أن للمنطقة الساحلية مؤسساتها ولغتها المكتوبة، ولها حكوماتها وإداراتها الراسخة الأقدام. ووجد أن نفوذ الساحل وتاثيره ضارب في عمق الداخل حتى البحيرات
العظمى، بل لما هو أبعد منها.
وتبين له أن لأبناء الساحل أرضهم وخطوطهم التجارية البرية والبحرية، بل لهم علاقات تجارية مع بقية العالم. فعلي مدى وف السنين كان لمنطقة الساحل علاقات تجارية مع مهد الحضارة في مصر والعراق والهند، بل وصلت آفاق علاقاتهم تلك إلي الصين وأندونيسيا. ولم يكن السواحيليون برابرة عراة بل أمة متحضرة تعرف الملبس الساتر لأجسادها، ولديها إحساس بهويتها مستقى من لغتها وثقافتها التي لم ترق للمستعمر والمبشر المسيحي لكونها نابعة من الدين الإسلامي. فلقد كانت اللغة السواحيلية مثلها مثل الأردية في شبه القارة الهندية والهوسا في غرب إفريقيا ذات مضامين إسلامية لثرائها بالكلمات والتعبيرات العربية.
127
126