الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٦٦

ومن المقطوع به أنه ليس بالأمر السهل إزالة لغة راسخة من علي قيد الحياة. إلا أنه من الممكن تحويلها وتوظيفها في اتجاه نقيض لغايتها ورسالتها وكان أول الخيط في تحقيق ذلك هو ترويج أن السواحيلية ليست أمة، ولا قبيلة. إنهم ببساطة (لا) وجود لهم). وروج دعاة تلك المغالطة، أنه في حين يمكن تحديد النيامويزي، والكامبا، بدقة فإنه لا يمكن تحديد من هم السواحيلون؟ فهم - بزعم هؤلاء - مجرد خليط هجين بلا هوية

قبلية ولا عرقية، ولا إقليم يمكنهم ادعاء أنه خاص بهم.

كانت تلك المقولة هي حجر الأساس الأول لمؤامرة المستعمر المبشر علي اللغة السواحيلية. ومع إرسائها بات من السهل القول بأن بوسع كل من هب ودب أن يعامل اللغة السواحيلية علي هواه، ويوضع في مصاف خبرائها ويغير بنيتها وقواعدها ومعجمها، ويفعل بها ما يشاء من الأفاعيل دون إذن من أحد. فمن يمنح الإذن في غياب إنسان اسمه السواحيلي من الأساس؟

ومن النوادر الدالة علي استياء السواحيليين العميق من تلك الفرية، ما حدث خلال مناظرة كانت تبثها إذاعة صوت تنزانيا عن خصائص اللغة السواحيلية. وكان من بين ضيوف البرنامج وبكر ديواني وهو سواحيلي، متمكن شديد التمسك باللغة السواحيلية كما تعلمها من أمه وأبيه، والغيرة عليها، لا يحيد عنها أنملة، ويعتبر نفسه من حراسها القدامى الذين لا يوجد طلح التبديل فيها في قاموسهم فهو يتحدث بها كما شب عليها، وليس كما يطلب منه أن ينطقها وفق كتابتها بالحرف

اللاتيني.

وكان محل الجدل كلمة لا أتذكرها، والشاهد ليس فيها، بل فيما ترتب عليها. قال أبوبكر: "أنا بصفتي سواحيلي لم أسمعها تستخدم في مثل هذا السياق". رد عليه محاور آخر يدعى ستيفانو ماتولا، ينظر إليه علي أنه من خبراء تلك اللغة، مع أنه في حقيقة أمره من قبيلة الجوجو، ممن تعلموها بالمدرسة استاء فيما يبدو من فحوى ما قاله أبوبكر، قائلا: ما هذا يا أبا بكر من هو السواحيلي؟

أفحمه أبوبكر ديواني بقوله: " ما دمت قد سألتني، فسأخبرك. السواحيلي هو من إذا ذهب إلي الحمام يستنجي بالماء". لات اريد

لم تعجب تلك الإجابة، فضحك ستيفانو من الإجابة بسخرية. إلا أن أبابكر المعروف بإسلوبه اللاذع، واصل حديثه قائلا:" أسبك فتضحك؟ من الواضح أنك لست سواحيليا، بدليل أنك لم تفهم ما حاولت أن أبينه لك". وكان معنى إجابته أن السواحيلي مسلم

ومع التبني الرسمي لكتابة السواحيلية بالأبجدية اللاتينية، بات كل من كانوا يقرؤنها ويكتبونها بالأبجدية العربية أمييين بين عشية وضحاها. وترتبت علي ذلك ضرورة إخلاء كل من الإداريين والكتبة والقضاة والموظفين الحكوميين المدنيين السواحيليين المسلمين الذين شغلوا تلك المناصب علي الدوام، أماكنهم لجيل جديد ممن تربوا في الغالب الأعم في مدارس الإرساليات التبشيرية المسيحية. ولا يزال هذا هو الوضع السائد في البر الإفريقي من شرق إفريقيا حتى اليوم. وعلاوة علي ذلك، فإن الإدارة الاستعمارية في شرق إفريقيا، تركت التعليم والرعاية الصحية لأمد طويل بالكلية في يد الإرساليات

129

128