الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٦٧

المسيحية. وربما كان الدافع وراء ذلك هو الملاءمة الإدارية، ولم يكن لاعتبارات خفية إلا أن النتيجة الأخيرة التي ترتبت علي ذلك هي أن أي تقدم تعليمي أو اجتماعي أو اقتصادي بات لا يتم إلا عبر الكنيسة. وبذا ضمن المسيحيون الهيمنة من البداية.

ولاتزال نسبة الطلبة المسلمين بالجامعات التنزانية، بعد سبعة عقود في ظل الاستعمار، وما يزيد علي ثلاثة عقود في ظل الاستقلال، حتى كتابة هذه الدراسة في العقد الأخير من القرن العشرين لا تتعدى 18 مقابل 82 % من الطلبة المسيحيين في بلد لا تقل نسبة المسلمين فيه عن 60 %، وهو وضع لا يستسيغه أي مسلم مهما كانت درجة تسامحه.

إلا أن الوضع لم يكن بمثل ذلك السفور والجسامة في زنجبار، التي أرسى السلطان السابق السيد علي بن حمود فيها تعليما علمانيا مجانيا وطنيا. وفي فترة وجيزة صارت المدارس الحكومية ندا لمدارس الإرساليات القليلة، بل حلت محلها بالكلية. وفي فترة معقولة أعدت كوادر جديدة من العاملين بالأجهزة الحكومية والمدرسين والممرضات والأطباء والمهندسين من بين الزنجباريين دون اعتبار للدين أو الجنس أو الطبقة أو اللون.

40

وكانت سياسة حكومة جلالة السلطان الرسمية المعلنة أن الفقر لا ينبغي أن يكون عائقا للراغب في التعليم. وأنقذت سياسة ذلك السلطان الحكيمة زنجبار من تغرير المدارس الإرسالية بها.

حكم السيّد علي بن حمود زنجبار في الفترة 1902 - 1911. وقد أجبره الإنجليز على التنحي عن العرش لعدائه لهم ولميوله الإصلاحية

وحظيت المواد العلمانية في المدارس الحكومية بما فيها اللغة الإنجليزية ببالغ العناية، كما حظي الإسلام واللغة العربية بالرعاية، وإن كان للأسف ليس بذات الدرجة، ولا الفعالية.

وعرفت البلاد في أواخر ثلاثينيات وأوائل أربعينيات القرن العشرين نوعا من العزوف، خاصة في المناطق الريفية عن الدراسة بالمدارس العلمانية. وفي تلك الآونة، عين ر. س. فوستر نائب مدير التعليم في أوغندا وكينيا، وناظر مدرسة بتنجانيقا من قبل مديرا للتعليم في زنجبار. وكان صاحب رؤية وبصيرة. وجد الرجل أن المدارس أغلقت فى المناطق الريفية للعزوف عن الانتظام في صفوفها. وتبين له بمحاورة أولياء أمور الطلبة، أن شكواهم الرئيسة أن تلك المدارس لا تولي اهتماما يذكر لتعليم القرآن والدراسات الإسلامية من ثم اختار كثير من الآباء إرسال أبنائهم إلى كتاتيب خاصة لتعليم القرآن. وكان مدرسو القرآن بتلك الكتاتيب هم الأكثر انتقاصا من شأن المدارس الحكومية.

وسماها:

وما كان من فوستر إلا أن دمج مدارس القرآن المحلية الخاصة تلك التي تقدم تعليما أوليا في المنظومة التعليمية، فصول القرآن. وبذا أصبح مدرسو القرآن عاملين لدي الحكومة يتقاضون رواتب دورية ويحصلون علي امتيازات في السفر والعلاج بالمستشفيات بوصفهم مستخدمين بالإدارة المدنية. وبالإضافة لذلك، لاحظ فوستر أن الكثير من التلاميذ، خاصة في المناطق الريفية، يعانون من سوء التغذية، فقدم وجبة فطور بكل المدارس من اللوبيا والثريد وبات تعليم المواد الإسلامية أكثر انتظاما ومنهجية. وعمم تعليم اللغة العربية في كل المدارس، بعد أن كان قاصرا علي مدارس المدن. وعلي الفور زادت نسبة

131

130