الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٦٩فجارنا المباشر مانديز وهو كاثوليكي، بلغت متانة الصداقة بينه وبين والدي حد اعتبارنا أنه أحد أعمامنا. ومن بين جيراننا وأصدقائنا أيضا المصورين دي لوردس وجوميز، وجيراننا وأطباء عائلتنا: تايلور وكوبلاند، الإنجليزيان، والبوكيرك الجواني والأطباء الهنود جوراديا ومهتا ودينا وناث. ومنهم أيضا السمسار الهندوسي كرسان، وآخرون من البيشوري والتلاتي والبارسيين و السيلانيين ممن نحتوا لنا من خشب الأبنوس والعاج روائع من كل أنواع الحلي. وعاش معنا مسيحيون أفارقة، لم يفترقوا عنا في زي ولا في سلوك.
مسلمنا
وما كان من الممكن التمييز بالمظهر الخارجي بين مسـ ومسيحينا، فلم يكن ثمة فرق يذكر بين والد رفائيل ومتى وبين والدي ووالد عبود جومبي. وكان متى أحد أبناء الأب أجوستينو من بين أصدقائي المقربين وزميل دراستي وتوفي متى في حادث تحطم قطار أنفاق في لندن. ورغم كونه من مواليد زنجبار فإنه ذهب إلي ماكيريري بمنحة دراسية من تنجانيقا، وعمل بعدها فيها. وكانت لديه الرغبة في العودة إلي زنجبار والتدريس بها. وبذلت غاية جهدي لإقناع السلطات الإدارية في زنجبار بتعيينه مدرسا بمدرسة ثانوية حكومية وقبل أن أنجح في تحصيل تلك الموافقة وافته المنية في لندن.
ومن بين ما كان متعارف عليه في زنجبار أن الجميع بصرف النظر عن عقيدتهم الشخصية يحتفلون بمولد النبي، أو بميلاد المسيح أو بميلاد بوذا. وأتذكر ما اعتدت عليه في طفولتي من صحبة والدي وعمي الشيخ عامر بن علي لزيارة أصدقائنا الهندوس أثناء احتفالهم بمولد بوذا. وكم كنت أحب الهدايا التـ
كنت أحصل عليها في تلك المناسبة من مناديل جيب صغيرة، ومن الحلوى الهندية.
خلاصة القول أن التسامح الديني عرف راسخ في زنجبار. ومنذ أكثر من قرن من الزمان منع السيد سعيد بن سلطان رعاياه المسلمين من ذبح البقر في المناطق التي يقطنها هندوس، رغم قلة عددهم احتراما لمشاعرهم الدينية. وتمتع أتباع كافة الملل الدينية بالحرية في اتباع شرائعهم في الزواج والطلاق والميراث. ولم تتدخل الحكومة أبدا حتى في شؤون القبائل الوثنية القادمة من البر الإفريقي، بل تركت لها الحرية في اتباع عاداتها القبلية في كل شؤونها الشخصية. وعينت الحكومة لكل قبيلة من تلك القبائل ذات عدد يعتد به عريف اتصال بينها وبين الحكومة للعناية بشؤنها الاجتماعية. كان هذا هو الوضع قبل مجئ المستعمر، ولم يتغير الحال طيلة سبعين سنة من الحكم الاستعماري ومن المفارقات الغريبة أن أنظمة الحكم الإقريقية الجديدة الراهنة التي اغتصبت السلطة، لا تعير بالا لتلك الحرية الأساسية وتسعى إلي فرض إرادتها علي المعتقدات والممارسات الدينية المنوعة التي حظيت بالقداسة علي مدى قرون طويلة.
فالمغتصبون يريدون أن يخضع الجميع لإملاءاتهم.
فقبل الاستعمار وفي عهده كان التقليد السائد هو تعلية ومراعاة القوانين الشخصية في كل أرجاء شرق إفريقيا وليس في زنجبار وحدها. ولم يحدث أبدا أن تدخل الألمان والبريطانيون في شؤون رعاياهم في أمور الزواج وحضانة الطفل والميراث. بل جعلوا
135
134