الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٧٢بنجاني وزنجبار وجزر القمر، أقارب في حضرموت وعمان وما حدث بالنسبة للطبقات الحاكمة حدث أيضا لبقية السكان. فالتصاهر والتمازج بين البشر هما فطرة الحياة واستمرارهما ضرورة تاريخية.
وتوقف مدى تأثير تلك الدول الساحلية علي البر الإفريقي علي عوامل عديدة، مثل: قوة الحكام وكياستهم، أو حب المغامرة وجسارة التجار والرواد المتمتعين بحماية أولئك الحكام. ومن هنا أصبح من المعتاد في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر القول بأنه: "علي صوت مزمار من زنجبار يرقص أهالي البحيرات". وحين اتخذ السيد سعيد بن سلطان من زنجبار مقرا لحكمه وعاصمة لدولته امتد سلطانه ليشمل الساحل والجزر، وكل أراضي تنجانيقا وملاوي والكونغو حتى حدود السودان. واتصل
مجال نفوذه بمجال نفوذ حكام مصر والسودان.
وحين زار الرحالة العربي الشهير ابن بطوطة منطقة شرق إفريقيا في القرن الرابع عشر الميلادي، أذهله أن وجد الشعب السواحيلي ندا لأوربيي زمانه في المسكن والملبس والمطعم. ويصف الدكتور وليام هتشن تلك الحضارة في كتابه "الإسلام اليوم" قائلا: مع مطلع القرن الرابع عشر، كانت القلاع الإسلامية تنتشر كحبات عقد من اللؤلؤ اللامع علي طول الساحل الأخضر".
ويضيف فيما يتعلق بالمستوى الثقافي والفكري: "قد يحكم للمرء بالثراء بحجم الثروة التي في خزائنه إلا أن نصيب المرء من الثروة العقلية كشاعر أو فقيه أو رجل دين هو الذي به يكتسب الشهرة والاحترام والتقدير، أو ما يسمى في هذه البلاد الخصال الهاشمية. فلقد جاء المستوطنون العرب الأوائل معهم بفن الخط
العربي، الذي هو أعجوبة لا نظير لها في إفريقيا البانتوية وأتوا معهم بحبهم التقليدي لأدب الشعر والملاحم" والسؤال: ما الطريقة التي حدث بها هذا التواصل؟ يسلم الأستاذ كوبلاند في كتابه " شرق إفريقيا وغزاتها" بأن شرق إفريقيا لم تشهد أبدا عصر غزو مظلم من جانب العرب. فلقد كانت التغلغل العربي في شرق إفريقيا سلميا بالمطلق". ويشرح نيافة ليندن هاريس في كتابه "الإسلام في شرق إفريقيا" هذه المسألة قائلا: "يعتمد الإسلام بشكل شبه كامل في نشر الدين علي نفوذ الأمة الإسلامية. وحين يتم التغلب علي الفروق الاجتماعية، تتسارع وتيرة اعتناقه. وهذا هو السبب في أن الهجرة من جنوب الجزيرة العربية ومنطقة الخليج، المصحوبة بالمصاهرة، تمخضت عن تحول الأغلبية من الوثنية إلي اعتناق الدين الإسلامي. وبالزواج بنسوة بانتويات أفريقيات أوجد التجار العرب وطنا لأنفسهم ولدينهم في شرق إفريقيا. فالسواحيلي الحقيقي بانتوي. وبالمصاهرة جسرت الفجوة بين العرب والبانتو. وأقبل أفارقة قبليون كثر علي عبور تلك الفجوة. فعبورها لا يفتح الطريق أمامهم إلي مكة فحسب، بل إلي الأخوة مع إخوانهم الذين تجمعهم بهم أصرة العقيدة وبعض الدم المشترك علي الأقل".
ومع
ذلك ظل أخذ الحذر واجب من مؤامرات أولئك الحاقدين الذين رغم دخولهم في دين الله، لم يجسر إيمانهم الفجوة بينهم وبين غيرهم من البشر، بسبب استحكام الحاجز العرقي في نفوسهم، مم أعاق تمازجهم بالمصاهرة مع الأعراق الأخرى. ولعلنا نذكر هنا بأن إسماعيل جد النبي محمد عليهما الصلاة والسلام هو من منبته ثمرة زيجة سامي أسيوي بحامية إفريقية.
141
140