الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٧٤

المشرق، يجيدون فنون الملاحة البحرية مثله سواء بسواء. ويستفاد من ذلك ضمنا أن أولئك البحارة الأفارقة، كانوا قد حققوا

من سنوات درجة من التقدم في الإرشاد الملاحي للسفن تضارع ما حققته أرقى الأمم المتحضرة الأخرى المعاصرة لهم".

وبينما أبحر فينيقيوا البحر المتوسط حتى كورنوول من أجل القصدير، أبحر نظراؤهم العمانيون حتى جزر القمر والصين من أجل سلع أخرى متعددة. وجاب نظراؤهم من تومباتو ولامو، بيسر معهود القطاع الغربي من المحيط الهندي بشكل موسمي فيما بين شرق إفريقيا والهند والخليج، وإيران، وتبادلوا السلع والثقافة واللغة والدم. وكان ميناء زنجبار قبل جائحة 1964 يستقبل ما يزيد علي ألفي مركب شراعي من الخليج وجنوب الجزيرة العربية والهند في

كل موسم

والأدلة مستفيضة من اللغة والتقاليد علي وجود علاقة وثيقة بين أهالي ساحل شرق إفريقيا والأشوريين يتراوح عمرها بين أربعة آلاف سنة، وخمسة آلاف سنة، وعلاقة مع السومريين تعود إلي ما يتراوح بين خمسة آلاف سنة، وثمانية آلاف سنة. وكان أولئك العراقيون القدامى، أنفسهم، في قمة التحضر. ومن المعروف، أن بلاد الرافدين دجلة والفرات هي مهد الحضارة. وبها، فيما هو معتقد، ولد فن الكتابة. ويقتبس إنجرامز عدد من أوجه التماثل الجلي في النطق والمعنى بين اللغتين السومرية والسواحيلية ويضرب أمثلة بكلمات من قبيل: الروح، والماعز، والرجل. بل إن العامية الخليجية الفارسية والعربية لا تزال تتضمن كلمات تعكس تلك الجذور المشتركة بين تلك اللغات، من قبيل كلمة (الغوزي) التي تشير إلي الماعز المحشو بالأرز.

وبوسعنا أن نسترسل، بما يسود، مجلدات في التدليل علي الأواصر التاريخية واللغوية والثقافية والعرقية بين شرق إفريقيا والشرق الأوسط من العصور القديمة حتى الآن، تثبت بما لا محل معه لأدنى شك أن كل من يسمون أنفسهم سواحليين أو زنجباريين هم أهالي أصليون برسوخ لا يتحول ولا يتبدل.

ومن المعروف بالنسبة لماضي علاقة زنجبار بالهند، أن أناسا معينين مسلمين، يسمون الديبوليون، أتوا من الساحل الغربي للهند، واستوطنوا زنجبار فيما بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر. ويجب عدم الخلط بينهم وبين مجموعة أخرى حكمت جزيرة بيمبا، أو بالأحرى بوجيني، وكانوا يسمون: دباويون، ومن أشهر حكامهم محمد بن عبد الرحمن الديباوي الشهير باسم "مقام ندومي.". ولكن كلمة "مقام ندومي " لا تبدو كلمة سواحيلية صحيحة. فمن الممكن أن تكون مشتقة من كلمة "مقامو وامادومي" التي تعني حاكم الرجال المناظرة بدرجة أو بأخرى، لكلمة (سيباسجا) بالنسبة للكاباكا، التي تعني (فوق الرجال) وهي كلمة قريبة من لقب صاحب السمو، أو معالي، أو جلالة. وكلمة مكامو، السواحيلية والإسم منها "مقام" مشتقان من: كلمة مقام العربية، التي تشير إلي المكانة والوضعية. وهي كلمة تستعمل علي سبيل المثال في تعبير من قبيل: " صاحب المقام الرفيع".

وتفيد الأدلة المستقاة من الآثار أن الديبوليين قدموا من داهول وهو ميناء علي الساحل الغربي للهند يقع علي مسافة مائة وستون كيلومتر إلى الجنوب من بمباي. وكان ذلك الميناء في القرنين الرابع عشر والخامس عشر يخضع لحكم الأسرة الباهمانية. وفي

145

144