الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٨

تتناغم فيه بوضوح استقامة الفطرة التي فطر الله الناس عليها، مع التغذية الصحيحة لها بطيب العلم الديني والدنيوي، وفي يده ثمار يانعة لعطاء خالد من اهتداء عشرات الأشخاص على يديه إلى الإسلام، وهو في غياهب السجن إلى ترجمة تفسير قرآنى يراه معبرا عن الوسطية الإسلامية من العربية إلى السواحيلية، إلى كتابة هذه المذكرات التي بين أيدينا التي يرسم فيها معالم حالة الأمة، والمخرج منها إلى رحاب استعادة الوضعية اللائقة بها بوصفها الأمة الواحدة الشاهدة الآمرة بالمعروف والناهية عن

المنكر.

!

ولقد حرص المؤلف رحمه الله وهو يرسم معالم القضية ونواتها على أن يحول نفسه من شخص إلى فكرة. ولعلنا نستدعي هنا مقولة المفكر الإسلامى الراحل مالك بن نبي في تلخيص أهم إنجاز حققته الأمة الإسلامية في غزوة أحد التي انهزم المسلمون فيها كجولة وكان هو زادها الأهم في تمثل فكرة وفاة النبي يوم أن مات بالفعل. ففي يوم أحد أصيب النبي عليه السلام وأشيع أنه قتل. وتحول النبي بهذا الحدث من شخص إلى فكرة بتنزل قول الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران (144). ومن رصيد التحول من شخص إلى فكرة ولدت يوم أحد ذاتها مقولة إن كان محمد قد مات فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد. ومن رحمها عمت في كل أرجاء المدينة المنورة أصداء قولة الصديق أبي بكر، الخالدة، يوم وفاة النبي " من كان يعبد محمدا فإنّ محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإنّ الله حي باق لا يموت".

ومن يقرأ مذكرات مفكرنا علي محسن البرواني هذه، يلمس بكل قوة في كل سطورها صراحة، وضمنا حرصه رحمه الله على أن

لا يقع قارؤه في فخ الإعجاب به إلى حد يستحضره معه شخصا، على حساب الفكرة فهو على الدوام يؤكد أنه إنسان عادي جدير بأن لا يستهان به وبأن لا يبالغ فيه، تسللت وساوس إلى نفسه حينا، ووقع في تفكير صبياني حينا آخر، وتردد في حياته بين اليسر، والعسر وبين النجاح والفشل، وعرف وفاء الصديق، كما عرف نكوص بعض من توسم فيهم الخير على أعقابهم، ووجد الصالح والطالح في المنشط والمكره. وعشق الحرية، وعرف إيثار غيره على نفسه وابتلي بالاتهام بما ليس فيه. وكره العزلة وأجاد اصطناع الأخوة والصداقة، في كل وضع وجد نفسه فيه، حتى في السفر العابر. وتأسس ما حصله من علم وخبرة على معطيات بيئته، وكانت تنشئته في بيئة دينية منفتحة ومتسامحة هي حجر الأساس في صموده أمام خطر الغرور بالنجاح، وأمام خطر اليأس أمام صولات الدهر ونكباته.

نحن إذن على الدوام أمام شخص يحذرنا من الافتتان بشخصه ويدعونا إلى التبتل مثله في رحاب الفكرة الإسلامية النقية الجامعة، والاجتهاد في خدمتها، مع تسليم الأمر فيما هو فوق استطاعتنا لله رب العالمين.

وعند الجمع بين القضية والنواة والمؤلف الفكرة يجد القارئ نفسه وجها لوجه مع إضاءات معرفية ملهمة، حول ثلاث من أهم نكبات الأمة الإسلامية المعاصرة، متشابكة فيما بينها، ومنسوجة مع سوابقها. أولاها: محاربة الإسلام بالعبث بلغات أساسية في العالم الإسلامي، بفك عرى التواصل بينها وبين اللغة العربية. ولم

13

12