الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٨٥

تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً. النساء (58)

ويحكى أن الشيخ الراحل حسن بن عمير الزنجباري قال في موعظة عامة له في زنجبار كل من هو قادر على مغادرة هذا البلد ويبقى فيها يموت علي غير الإيمان" فسأله أحد الحضور: "لم ياشيخ؟ ". فأجابه الشيخ بقوله: " لأن كل أسباب الرزق هنا حرام فما يباع بالسوق جله إن لم يكن كله مسروق، لكونه نمى في أرض مغصوبة. ومن الحرام حتى أن تصلي في أرض

مغصوبة".

هذه هي فتوى العالم. وهي تنطق بالحقيقة بلا مواربة. فأي بلاء يحل بالمرء إن هو بالإضافة إلي استحقاقه اللعنة، أشرك أبناءه أو والديه في ظلمه؟ والأدهى من ذلك، هم من يستخدمون أراض موقوفة لمسجد أو مدرسة، أو لغرض خيري آخر. وعلي رأس المفارقات يأتي ذلك التكاثر الشبيه بالفطريات للكنائس الصغيرة العديدة التي شيدت جميعا في كل أرجاء زنجبار علي أراض مغصوبة. فكيف يمكن لإنسان أن يبني بيتا مكرسا لعبادة الله علي أراض سرقت من مالكيها الحقيقيين؟ فهل يتصور أولئك المسمون: مسيحيون أن المسيح بن مريم راض عن صنيعهم، أن ربه سيقبل صلاتهم؟ بل حتى ما هي المزايا الدنيوية التي تحققت من ذلك الاندفاع المجنون صوب الغصب؟

أو

في صدر الإسلام أراد عمرو بن العاص حاكم مصر، أن يوسع أول مسجد بني بمصر، لزيادة عدد من دخلوا في الإسلام، وعدم اتساع المسجد لهم. . ولم يكن بوسعه تحقيق ذلك إلا بحيازة بيت

مملوك لسيدة مسيحية، وإزالته. عرض عليها شراء البيت، ولكنها رفضت أن تبيع ملكها، فأممه ووسع المسجد. امتطت المسيحية بعيرها، وقطعت الطريق من مصر إلي مكة لتقدم شكواها إلي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. استدعى الخليفة أمير مصر فاحتج أمامه بأنه أستولي علي البيت من أجل الصالح العام والتعويض النقدي جاهز رهن أمر المالكة متى تشاء. رفضت تلك السيدة،، وصممت علي بقاء بيتها حيث هو ورفضت أي تعويض فأمر عمر بن الخطاب بهدم الجزء من المسجد المقام مكان بيتها، وإعادة بنائه كما كان بالكمال والتمام إرضاء لتلك السيدة المسيحية كانت هذه هي نوعية العدالة التي أرسيت عليها الدولة الإسلامية منذ ما يربو علي ألف

عام.

ومن جهة أخرى، فإن بعض المتطلعين إلي الزعامة السياسية في زنجبار الآن كانوا يزعمون أنهم سيقيمون الحق فيما لو وصلوا إلي سدة الحكم. أما شكل عدالتهم، الذي يطرحونه فهو إضفاء القانونية علي اغتصاب الممتلكات بإعطاء سندات ملكية لمن حصلوا علي حق الانتفاع بأراضي غيرهم بعد الغزو الذي تعرضت له زنجبار عام 1964. وهم يسمون ذلك "عدالة" لمجرد إقرانه بالتعهد بدفع تعويض للملاك الأصليين.

ويثير تصورهم هذا أسئلة مشروعة عديدة، من أهمها أي مبلغ من المال يكافئ طرد إنسان بالقوة من بيته وأرضه وتجريده من كل شئ وحرمانه من ريع أرضه ومن استعمالها علي مدى ما يزيد عن ثلاثين سنة؟ ومن أين ستأتي أية حكومة بتمويل لتعويض البلد كله الذي نهب وعن الأخطاء الإقتصادية

167

166