الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٩٦

عملهم المربح كحمالين بالأسواق، وأرصفة الشحن البحري ولكنهم وجدوا تلك الساحة موصدة، أمامهم، بسبب هيمنة المهاجرين من البر الإفريقي على نقابة العمال بالمدينة. وأدى ذلك إلى تعميق النزعة الوطنية في قلوب الزنجباريين.

أما وظائف الكتبة فكانت بيد الهنود وكان المتاح للعرب والأفارقة هو التدريس والعمل بالإدارة المحلية التي لا يصلح لها الهنود

عادة لأسباب لغوية وثقافية

وحتى الخمسينيات لم يكن بين موظفي إدارة الجمارك غير اثنين من غير الهنود، أحدهم ابن عمي علي عبد الله، والثاني صديقي عبدالله عامر سليمان. والأخير إفريقي انتهي به المطاف إلي العمل رئيسا لتحرير صحيفة سواحيلية تسمى: "موانجازا" أي: "النور". وشغل زنجباري جواني يدعى: وولفجانج دورادو منصب وكيل أول في وزارتي. كما كانت سكرتيرتي الخاصة سيدة زنجبارية من جوا تدعى كلاراديسوزا

وأتذكر وانا ابن عشر سنين أن ابن عمي محمد عيسى البرواني ربما كان هو الكاتب الوحيد غير الهندي في جهاز الخدمة المدنية كله. إلا أن الأمور كانت تتغير بسرعة وبشكل سلمي ومتحضر، مع التوسع في التعليم، والتزام الحزب الوطني الزنجباري وحزب أبناء بيمبا وزنجبار بإزالة كافة أسباب الصراع العرقي. وتشكلت تحالفاتنا الحزبية وحكومتنا من كل الطوائف مع غلبة الأفارقة. وكان رئيس وزرائنا، أفريقيا، كما كان رئيسا حزبينا المتحالفين إفريقيين. وكانت حقيقة أن معظم الزنجباريين مختلطو الأعراق تنبئ بمستقبل زاهر. وكان النشاز الوحيد هو الغرس المتعمد لأفكار غريبة يراد بها التشويش وزرع الكراهية.

الفصل الثامن التعليم

أولا: الانفتاح والمنهجية روح التعليم والتعلم

في ضاحية الباغ التي تربيت بها كانت لدينا مدرسة قرآنية صغيرة، يتحلق فيها قرابة عشرين طفل وطفلة على حصير أمام المعلم حسين يعلمنا القراءة والكتابة باللغة العربية استنادا إلـ كتيب أولي صغير يستخدم في الكتاتيب في كثير من مناطق العالم الإسلامي، يسمى: القاعدة البغدادية. وقد يحتاج الطفل حسب درجة ذكائه، إلى عام أو أكثر لمعرفة القراءة والكتابة بتلك اللغة العربية، التي ستمكنه من قراءة القرآن من أول سوره فيه (الفاتحة) إلى آخر سورة فيه (الناس). وحين يقرأ الطفل القرآن كله، يقال أنه ختم القرآن الكريم.

ولا يتوقع من مثل ذلك التلميذ أن يفهم معنى ما يقرأ. بل حتى المعلم نفسه قد لا يعرف في معظم الأحيان معاني ما يقرأ من

ا يقدم هذا الفصل تجربة مليئة بالدروس المستفادة في عملية التعليم والتعلم. ونحن فيه أمام تلميذ يعرف كل من درسوا له من بداية مشواره العلمي إلى نهايته (وهي مسألة باتت نادرة في زماننا) ويزن أساتذته بمدى موسوعيتهم وانفتاحهم ويبين أن المنهجية هي روح الإنجاز التدريسي، وبها كان تحصيله اللغة الإنجليزية، أيسر منالا من تحصيله اللغة العربية كما يبين أن التعليم والتعلم ممكنان في كل مكان حتى في غياهب السجن، وأن الطريق لنشر الإسلام هو الاستنارة المنفتحة على ما لدي الغير، والقادرة على الفرز والتميز والتمييز بين جوهر الأصل المسيحي والتلاعب الكنسي به. ويوضح هذا الفصل بجلاء أن بناء الأمة هو المطلوب الأول لاستئصال الاستبداد والاستعمار، وأن الاستعمار والاستبداد معا يراهنان على تجذير الطائفية واستدامتها بكل السبل.

المترجم

189

188