الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٩٨

ومن غير رجال الدين، وبصحبة الأكورديون والجيتار، وغيرهما من الأدوات الموسيقية، يعظ هؤلاء السجناء، ويدعونهم إلـ التوبة. واعتدت حضور الكثير من اللقاءات المسيحية. ويؤسفني القول بأنني وجدت أنه ليس لديهم غير موضوع واحد: "آمنوا بأن المسيح مات من أجلكم، وستخلصون".

وحينما كنت في سجن دودوما، طلبت من حارس مسيحي شديد التمسك بدينه أن يطلب من مبشر بروتستانتي استرالي، أن يتفضل ويعلمني الكتاب المقدس. وكنت تواقا للحصول علي

نسخة من الكتاب المقدس وإحياء اهتمامي به.

فلقد درست الأديان المقارنة، وأنا طالب بالجامعة. واعتدت علي حضور مواعظ بالكنيسة. ولم أغب أبدا عن أية موعظة ألقاها مبشر أجنبي زار كليتنا. ومن هنا فإنني فكرت في سجن دودوما

في إحياء دراستي للكتاب المقدس والتوسع فيها.

هذه هي الكيفية التي جاء بها كنجسلي جرين وهو أستاذ أحياء استرالي بمدرسة مازنجو الثانوية، إلي السجن ليعلمني الكتاب المقدس. وتوطدت الصداقة بيننا. فكل منا صاحب دين، ويسعى المعرفة رؤى الآخر وفهمها.

وأدركت عبر ما درسه لي أن الكتاب المقدس ينبع من ذات المشكاة التي جاء منها القرآن، وأن الصلة جد وثيقة بينهما، فيما لو أزيلت الخيالات والإضافات الواضحة الدخيلة علي فهم الكتاب المقدس. وقلت له أن القاسم المشترك كبير بين المسيحية، والإسلام، فيما لو استبعدنا فحسب أسطورة أن المسيح ابن الله وقصة قتله علي الصليب. فسألني بتواضع يرثى له: "ماذا يتبقى

في المسيحية إن حذفنا منها صلب المسيح؟ إن صلب المسيح هو لب المسيحية والصلب هو أصل الصليب الذي نحمله. ولو أنك حذفت الصليب، ماذا يتبقى؟ مواعظ قليلة علي الجبل وبضع معجزات؟ "

انتابني إحساس بالأسى العميق علي صديقي، لأنني أحببته بحق. فلقد كان شخصا رائعا، وفي غاية الأمانة والإخلاص. وأحسست أنه أحبني ورق لحالي وحال إخواني من المسجونين. قلت لرفيقي سالم كومبو بعد أن غادر الرجل السجن: "أحس بأسى بالغ علي صديقي. هل إيمانه كله مختزل في قطعة خشب؟ هل لا تعني حياة المسيح شيئا بالنسبة له؟ هل كل تعاليمه عن الحب والعمل الخيري والأخوة والسلام يستهان بها وتوصف بأنها قليل من المواعظ علي الجبل"، وأنه لزام علي من يتبعه أن يؤمن بأنه مات على الصليب إرضاء لرب غضبان تكفيرا عن خطيئة إسطورية ارتكبها بعض الأسلاف في الماضي

السحيق؟ "

وأيا كان الأمر، فإن كنجسلي جرين استمتع بمناقشاتنا معه واستمتعنا بزياراته واستفدنا منها كنا آنذاك ثلاثة في سجن دودوما، اثنان، زنجباريان والثالث هو جيمس ماكوني، وهو مناضل من أجل الحرية من زمبابوي، أصابه الملل من وجوده بلا أي جدوى في أحد المعسكرات التنزانية، فحاول الهرب والعودة إلي بلاده، فألقى القبض عليه، وجيئ به إلي السجن ليمكث معنا فيه إلى أجل غير مسمى. وكان ذلك الرجل كاثوليكيا، ولكن تحمسه لدينه غير شديد ومعرفته بالمسيحية سطحية.

193

192