الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٩٩وفي فترة وجيزة أصبح كنجسلي جرين أكثر اهتماما بالكلام في السياسة معنا عن تزويدنا بعظات إنجيلية. وكان يبقى الكتاب المقدس مفتوحا لاحتمال مرور أحد حراس السجن. أما الموضوع الذي كنا نناقشه معا معظم الوقت فهو الطريقة الممقوتة التي يدير نيريري بها البلاد.
وذات يوم جاء كنجسلي جرين وبصحبته قسيس بروتستانتي مسن هو والد جوب لوسيندي الذي كان آنذاك وزيرا للداخلية حثنا ذلك القس العجوز على أن نحمل "صليبنا " و "تصبر". وقال أننا " قد لا نعى ذنوبنا، ولكننا بالقطع لا نعاني بلا جريرة. فمن المؤكد أننا ارتكبنا ذنبا نعاقب عليه". كان من شيمتي الصبر علي كل شئ، وتحملت السجن سنوات دون شكوى. ولكنني لم أستطع أن أتحمل أن يعظني علي هذا النحو، من بوسعه أن يعظ الطاغية
بإنجيله. فاشتطت غضبا.
قلت: له "أيها القس أولي بك أن تعظ الطاغية بالرحمة والعدل، عن أن تعظ ضحاياه بالصبر. إن حمل الصليب سهل بالنسبة لمن لا خيار آخر أمامه إلا حمله. ولكن الطاغية أمامه خيار آخر. وأعتقد أن من واجب رجال الدين أن يعظوا المستبدين وليس ضحايا الاستبداد"
التزم كنجسلي جرين الصمت. وقال حين زارني في المرة التالية علي هذا الموقف: " لقد عاملت صاحبي العجوز بقسوة. وكنت قد جئت به إلي هنا خصيصا ليرى حالتك بنفسه، على أمل أن يناقش قضيتك مع ابنه".
وأعتقد، وإن كنت علي غير يقين كامل، أن كنجسلي جرين، نقل قضيتنا إلي مسؤولين في بلاده. فبعد عدة أشهر نما إلي علمنا
أن حزب المعارضة الاسترالي رفض حضور فعالية أقيمت تكريما لنيريري أثناء زيارة قام بها لاستراليا، مبررين ذلك حسب قولهم
بأن حضورهم " يرقى إلي مصاف التسامح مع ما كان يجري في جنوب إفريقيا. فسجل نيريري فيما يتعلق بالتنكر لحقوق الإنسان ليس أفضل من سجل نظام الحكم القائم في جنوب
إفريقيا ".
وبعد ذلك بفترة وجيزة زارنا طبيب ألماني، وانتهز تلك الفرصة ليهمس في أذني بقوله: " سيتم إطلاق سراحك في القريب العاجل. ألم تسمع بالمعاملة المهينة التي قوبل بها نيريري في استراليا؟ ".
وحينما اختارتني منظمة العفو الدولية "سجين العام" وتلقيت فيضا من بطاقات التضامن بمناسبة عيد الميلاد من كل أرجاء العالم، كان العدد الأكبر من تلك البطاقات من استراليا. وهو مؤشر آخر علي أن لكنجسلي جرين يد في هذه التطورات. ومن حسن الحظ أن تزامن ذلك مع هجمات وجهتها إذاعة زنجبار الحرة السرية، ضد نيريري. وكان لها تأثير درامي من البداية. كان لدي راديو ترانزستور بالسجن أرسله إلى صديق عزيز من، دارالسلام هو ماجد يحيى الكندي. وقال لي أحد حراس السجن أن هناك إذاعة سرية تهاجم المعلم (اللقب الشعبي لنيريري بضراوة، تبث إرسالها عقب نشرة المساء من دارالسلام علي نفس الموجة. وأضاف الحارس أنهم سمعوها على مقهي في مدينة دودوما، ولكن مالكها العربي خاف، فأوصد المذياع.
195
194