الجزائر في عهد الآغوات
الجزء ١ · صفحة ١١٤الخاتمة
ية عهد الأغوات (16519 - 1671)
عكس ما يمكن أن تتصوّره، لم يكن الأربع أغوات الذين حكموا الإيالة سيئين"؛ فقد كانت الإنكشارية تكن لهم كل المحبة والاحترام، على الأقل في بداية عهدتهم؛ والشيء القليل الذي نعرفه عنهم على الصعيد الشخصي والإرث السياسي، يبرز لنا رجالا أقوياء، ذوو شكيمة وهيبة. والظاهر أن سبب مقتلهم كان راجعا إلى ظروف صعبة ومشؤومة أكثر من كونه نتيجة لسوء إدارتهم. - إن التعاقب المتواتر للأغوات، وجهود هؤلاء الحكام للبقاء أطول مدة في السلطة، أقيا إلى تغيرات مرحلية في نظام الحكم) من حكم القلة ligarchie إلى حكم هو أقرب إلى الاستبداد، ممهداً بذلك إلى ما سيكون عليه حكم الدايات؛ وهكذا كان هذا العهد القصير في الحقيقة طورًا انتقاليًّا بين فترة الانحطاط السياسي للباشوات وعهد الدايات الطويل. - عرفت هذه الفترة نهاية التقهقر الديموغرافي والاقتصادي للجزائر، التي رأت عدد سكانها يهبط من 80.000 نسمة في عام 1625 إلى حوالي 25 أو 30.000 في عام 1664، وذلك أساسا من جراء أوبئة الطاعون. أما بالنسبة البداية الانطلاقة في كلا المجالين، فحدثت نحو عامي 1666 و 1667، في عهد الحاج علي آغا، الذي ترجع له بعض المصادر الجزائرية الفضل في ذالك الازدهار (ابن المفتي).
بعد أن خلصنا إلى أن معظم تقديرات المصادر الأروبية حول عدد سكان الجزائر غير واقعية، بالنظر إلى الكثافة السكانية العظمى التي تقتضيها من جهة ولبقائها ثابتة حتى بعد أزمات ديموغرافية حقيقية من جهة أخرى؛ تعين علينا للكشف عن الأوضاع الديموغرافية الرجوع إلى مؤشرات البنية العمرانية وتمحيص التقديرات التي تبدو الأقرب من الحقيقة، وبذلك توصلنا إلى أن مدينة الجزائر عرفت في أثناء القرنين السادس عشر والسابع عشر
أربعة مراحل في حركة التطور الديموغرافي، وهي: مرحلة نمو شبه مطرد، استمرت خلال القرن الأول من الوجود العثماني (1620 - 1518) وتضاعف فيها عدد السكان خمس مرات تقريبا. مرحلة تذبذب، امتدت نحو ثلث قرن (1621 - 1653) وعرفت بين وجزر تراجعا نسبيا لعدد السكان بسبب الأوبئة والأزمات الداخلية
مرحلة انهيار، دامت قرابة عقد من الزمن (1654 - 1665) وهلك خلالها نصف سكان المدينة بفعل موجتي طاعون فتّاك. مرحلة نمو نسبي، استمرت حتى العقود الأولى من القرن الثامن عشر، واستعادت خلالها المدينة طاقتها البشرية.
الخارجي.
شهدت النشاطات الاقتصادية الجزائرية من خلال ما مر بنا تراجعًا كبيرًا، مع منتصف القرن السابع عشر، نظرًا إلى عوامل عدة أهمها: على الصعيد، الانعكاسات السلبيّة لحرب جزيرة كريت بين الدولة العثمانية والبندقية التي أدت إلى ركود نسبي للتجارة المتوسطية وازدياد نشاط القرصنة الأروبية. وأما على الصعيد الداخلي، فبسبب المغارم والمكوس التي كان يفرضها الباشوات على التجار والحرفيين ليعرّضوا الخسارة الناتجة عن تناقص الإيرادات الجمركية، إضافة إلى احتكار هؤلاء الحكام لبعض المواد الأساسية القابلة للتصدير؛ كما كان لوقع موجتي طاعون (1654 - 1657) و (1662 - 1664) الأثر البليغ في انخفاض الإنتاج الزراعي والحرفي وتباطؤ
المبادلات لفتكهما بعدد هائل من سكان الإيالة.
من
وكان فرار حاكم الباستيون في عام 1658 بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ قام هذا الأخير بإحراق الباستيون بعد أن أفرغ المخازن وأسر عددًا الجزائريين؛ وترتب عن هذه الحادثة كساد التجارة بالشرق الجزائري، وانخفاض حاد في المبادلات التجارية مع فرنسا التي كانت تعتبر الشريك الإقتصادي الأول بالنسبة للإيالة. ومحاولة منه بعث النشاط التجاري مجدداً، قام الديوان في عام 1659 بتخفيض الرسوم وإقرار تعريفة جمركية جديدة. ولكن هذه التدابير لم تأتي بالنتائج المأمولة نتيجة لحالة الحرب غير المعلنة مع فرنسا و الاضطرابات السياسية التي عرفتها الإيالة آنذاك؛ ولم يستعد الاقتصاد نشاطه المعهود من جديد حتى استقرت الأوضاع السياسية في الإيالة، وأعيد فتح الباستيون عقب معاهدة عام 1666.
225
224