غصن البان في تاريخ وارجلان
الجزء ١ · صفحة ١٤١من مقبرة الشيخ الحاج أحمد، وهذه الزيارة تكون أشهر وأبهى من التي قبلها لما فيها من الصدقات الكثيرة والتبرعات الجمة، والذبائح نذرا الله، وعند الاجتماع في المكان المذكور، تقع الألعاب البارودية إشعارا /181/ بخروجهم،
وتنبيها لمن بقي وعند تمام الاجتماع، يتحرك الركب من هناك بكل نظام، ثم يستفتحون بسورة يس والصافات وتبارك الملك، ويسيرون سيرا متوسطا حسب الدواب الضعيفة، ويرى الناظر لتلك الهيئة العجيبة كأنه عقد ثمين زانه الحلقة العزابية وترى الشبّان بطلقاتهم والفرسان بفروسيتهم شيء يأخذ بمجاميع القلوب إلى أن يصلوا قرب المسجد، وعند ذاك ينضمون إلى العامة، وبعد وصول الجميع يقيدون دوابهم، ثم يهرعون إلى المسجد، يصلون ركعتين تحية المسجد جماعة، ثم يتربع رئيس العزابة لإعطاء الأحزاب القرآنية للقراء، وبعد إتمام القراءة يحلقون حلقة واحدة ويختمون القراءن، ثم يوزعون الصدقات حسب ما ذكرناه في زيارة أبي، عمار وترى الناس حالة التوزيع في غاية الهدوء والسكينة، لأنّ التوزيع بكل نظام بحيث لا يبقى صغير ولا كبير، جليل ولا حقير بغير إعطاء، ثم يدعون الله ويمتطون دوابهم قاصدين قبر الإمام يعقوب المحاذي لمقبرة الشيخ أبي صالح، جنون، ويدعون الله هناك، ويوزعون شيئا من الصدقة، فمن الناس ومنهم من يرافق العزابة إلى جبل العُبَّاد الذي كان يتعبد فيه مشايخ سدراته، ويبعد عن المسجد بنحو سبعة كيلومترا، ويمرون أولا على مقبرة أبي صالح جنون مدفن غالب علماء، سدراته فيدعون الله هناك، وبعد ذلك/182/يسيرون ولهجتهم التحميد والتسبيح، إلى أن يصلوا أسفل الجبل، فيتركون دوابهم مقيدين هناك، ثم يصعدونه بكل مشقة، لأنه في غاية المنعة وصعب الارتقاء، ويقرأون هناك نواوير القراءن، ويوزعون شيئا من الصدقة، ويدعون الله ويبتهلون إليه
من يرجع من
(1) مجموعة سور وآيات قرآنية منتقاة يتبرك بتلاوتها.
هناك،
هناك
وتُقرأ بعض السير، ثم يترلون متوجهين إلى جبل الكريمة، الذي يبعد من بنحو خمس كيلومترا، وهو جبل مستدير الشكل في غاية العلو، وعند الوصول، يتركون الدواب أسفله ثم يصعدون بكل جهد جهيد، ولا صعود له إلا من جهة واحدة يدخلون فسحته من قوس قديم العهد، وهو من بقية البناء الذي كان أعلاه، ثم يقرأون ما تيسر من القراءن، ويوزعون شيئا من الصدقة، ويدعون الله بما تيسر، ومن هناك يقصدون إلى غار كان يتعبد فيه الشيخ أبي صالح جنون. هذا ولا ترى الناس إلا بين قارئ وواعظ وذاكر لسير أولئك الأشياخ الأبرار، وبعدها يمتطون دوابهم قاصدين العاصمة ومن الآثار الباقية إلى الآن بجبل العباد، المحاريب الحجارية التي كان يتعبد فيها المشايخ، وعددها أربعمائة وثمانون محرابا، معلمة بالأحجار، وبالكريمة مائة وأربعون محرابا، ومن آثار الكريمة الصهاريج التي بنتها الأوائل لما حاصرهم الميورقي .. وبئر في غاية العمق وطوله بعد دفنه مائة وخمسون ذراعا، وآثار البناء لازال في قيد الوجود. وبعد الوصول إلى العاصمة، يدخلون من باب أبي إسحاق، ويطلقون بعض الطلقات إشعارا برجوعهم سالمين وفي العشية/183/تُجدّد الألعاب كما قدمناه في زيارة أبي، عمار وهذه نهاية زيارة مشاهد سدراته.
ملاحظة
إذا أراد الله شيئا هيأ له أسبابا كانت هذه الزيارة لا يحضرها إلا الإباضية خاصة، فلما تداولت الأيام، ووقع الائتلاف بين أبناء الوطن، وشعروا بأنهم أمة واحدة ووطن واحد يسعدون بإسعاده، ويشقون بشقائه، فامتزجت المحبة والمعاشرة وتقاربت الأفئدة لبعضها صارت هاته الزيارات كما عليها الآن لا فرق فيها بين جميع المواطنين نحضر، زيارتهم، ويحضرون زيارتنا
(1) سبق الحديث عنه والتعريف به.
277
276