تاريخ إباضية تمازغا: مقدمة في تاريخ الإباضية ببلاد المغرب في القرون الهجرية الأولى محمد سعد الشيباني

تاريخ إباضية تمازغا

الجزء ١ · صفحة ١١٤

580

هاجم أبو الخطاب القيروان عام 141 هـ 200، وضرب عليها حصارا طويلا إلى أن تمكن من دخولها والسيطرة عليها، وإقرار سلطانه فيها، وهكذا حقق تلاميذ سلمة بن سعد الحضرمي البصري أمنيته التي رددها في مسجد من القيروان؛ "وددت أن يظهر هذا الأمر يوما واحد؛ من غدوة إلى الليل"، حسب رواية تلميذه عبدالرحمن بن رستم القيرواني، الذي عينه الإمام أبو الخطاب عاملا له على القيروان، وهو وضع يعسر على جندها تقبله، كما لا يتغافل عليه أبوجعفر المنصور 1368 - 15 هـ الخليفة الذي لا يترك شاردة إلا عقلها.

عاد الإمام إلى نترابلس بعد انجاز مهمته التي رحل من أجلها؛ إنتصارا لإمرأة قيروانية استغاثت به وزاد بأن نصب عاملا يثق في دينه وعدله حتى لا يتكرر الجور، أي أن الإمام تصرف بتقوى خالصة، ولذلك سرعان ما انسحب إلى نترابلس دون أن يؤمن المناطق الشمالية والغربية نواحي تونس وباجه وتيفاش والأوراس والزاب وقصطاليا، مع إمكانية التوسع غربا حتى الأندلس، فكلها حوزات أسلامية، يجدر بالإمام أن يقيم فيها حدود الله وشرعه وما ذكرت المصادر للإمام نشاطا ملحوظا من 141 إلى 144 هـ، أي قرابة ثلاث سنوات كاملة، وهو ما يبعث على الظن بأن أفق الإمام وأصحابه المتقين والراغبين في الجهاد شراء، ما كان يتجاوز حيز نترابلس جغرافيا، هذا مع العلم أن الظرف السياسي كان مواتيا للملمة الفضاء المغربي في دولة واحدة، خاصة وأن حركة المحكمة لاقت قبولا واسعا بين الأمازيغ المتطاولين إلى سيادة تخصهم والمتذمرين من تسلط الأمويين والفهريين.

تصرف الإمام أبو الخطاب، في حروبه وفق ضوابط التقوى؛ حلية دماء من يحاربهم من المسلمين وحرمة أموالهم ونسائهم، وهو أمر يشق تقبله على الكثير من أتباعه؛ فناقشوه بحدة، وعصاه بعضهم، ومنطق ذلك العصر لا يمكن أن

580 - الدرجيني ص 28

اليسم

و عاقب مقاتلا

يستوعب هذا "التفقه" الأعسر، فمن يحلل الدم لا يحرّم ما دونه 581، واعتاد المحاربون منذ دهور على ملء أيديهم من السلب والنهب والسبي، وهو ما فعله بهم من حمل إليهم كتاب الله وشرعه طيلة أزيد من قرن؛ من عقبة إلى حفيده عبد الرحمن؛ 23 - 137 هـ، والمنطق الواضح هو المعاملة بالمثل على الأقل؛ "نأكل من أموالهم كفعلهم بغنائمنا " 582، ولكن الإمام أصر على رفض ذلك، و سدراتيا سلب ''سفساري بسيط أخفاه تحت سرج حصانه الشيء الذي أوغر الصدور، وتحول إلى عدو، للإمامة ولنا ان نتخيل مرارة الخيبة التي عاد بها المقاتلة من القيروان؛ دار النعم، ولاحتى الجراد الذي فرج كربتهم في غدوهم، وجدوه زادا في رواحهم. عين أبو جعفر المنصور محمد بن الأشعث الخزاعي واليا على مصر، وكلفه بإعداد جيش للسيطرة على المغرب، وفعلا جيش 50 أو 70 ألفا من المقاتلة، وتوجه بهم إلى المغرب، ورغم ضخامة هذا الجيش إلا انه بعد أن درس خصومه، ركن إلى الخدعة؛ أظهر استعدادا لاقتحام نترابلس وناوش الحرب، ثم تظاهر بالعدول عنها والعود من حيث أتى، بناء على أوامر من الخليفة العباسي، سربت عمدا لعيون الإمام أبي الخطاب في جيش ابن الأشعث، وانطلت الخدعة؛ تراجع حشد أبي الخطاب، وتفرق المجاهدون لحصاد زروعهم في حماند وجفائر وتلافيف جبال

نترابلس وكانت صائبة بعد سنين من القحط.

كر جيش ابن الأشعث سريعا، وفاجأ الإمام أبو الخطاب، الذي اختار الخروج "بمن حضره من أصحابه ومن بقرب المدينة من نفوسه وهواره وزويشه وغيرهم

الله، حتى

فالتقيا بتاورغا، 144 هـ، على مسيرة ثمانية أيام من نترابلس" شرقا، حيث أبيد جيش الإمامة الإباضية؛ ولم يبرح أبو الخطاب وأصحابه، رحمهم استشهدوا جميعا، وكانوا في أربعة عشر ألفا،،، فلم ينج من القتل إلا اليسير

581

قرى - الإباضية أن الأصل هو حرمة دم المسلم كماله وعرضه، وإنما حل دمه عرضا لحرابته. 582 ـ قال رجل من لواته يحاجج الإمام أبا الخطاب، أبوزكرياء ص 70

223

222