تاريخ إباضية تمازغا: مقدمة في تاريخ الإباضية ببلاد المغرب في القرون الهجرية الأولى محمد سعد الشيباني

تاريخ إباضية تمازغا

الجزء ١ · صفحة ١٢٠

"ثم ان عبدالرحمن اتصلت أخباره إلى أهل البصرة من أهل دعوة المسلمين فبعثوا إليه بثلاثة أحمال مالا شاور أصحابه فيها، فأشاروا عليه بأخذها، وتفريقها في فقراء المسلمين وكذلك السلاح والعدة، ففعل"، وكانت الرسل تختلف بين إمام الظهور بتيهرت وإمام الدعوة في البصرة؛ الإمام أبو عمرو الربيع بن عمرو

الفراهيدي الأزدي البصري العماني المتوفى 175 هـ.

وبرز شبه اعتراف رسمي من ولاة القيروان بإمارة تيهرت كسد بينهم وبين بدو

ليس مستبعدا؛ فقد بويع على ذلك، وتعهد به، فيجب أن يكون ابنه عبدالوهاب سابعا

وغير داخل في الأمر.

وحدث بعد وفاة عبد الرحمن، أن بدلت الوصية بالوقوف عند قائمة "أهل الشورى"، والسكوت عن استبعاد عبدالوهاب؛ الزائد عن الستة أصحاب الأمر، تلبيسا أو استغفالا او تبديلا، وهو الأرجح، لأن الخلاف استشرى، وتفاقم واختلطت الحجج والروايات، وتلك سنة المبدلين؛ فمن البلبلة يستفيدون، ومن

الصحراء، من ناحية، وقبائل المغرب الأقصى من أخرى، مع تسليم ضمني غبارها ينسلون ما يبدو حقا لأهل البصائر؛ ممن يركنون إلى القعود تخوفا وتحرزا

بسيطرة القيروان على الجادة العظمى، وهي على مرمى من قبائل نفوسه وهواره، الإباضية، وأسس آل المهلب والإباضية عهدا من التعايش ضمن منافع متبادلة وتوازنات نظمت علائق كل إمارات المغرب والأندلس.

" ثم ان تيهرت كانت حرزا وحصنا للمسلمين وسميت بالمعسكر؛ المعسكر المبارك، فلما حضرت الوفاة عبد الرحمن رحمه الله جعل الإمامة شورى في ستة نفر، كصنيع عمر بن الخطاب رضي الله عنه" وهم:

- مسعود الأندلسي؛ فقيها ورعا من شيوخ المسلمين - أبو قدامة يزيد بن فندين اليفرني. - شاكر بن صالح الكتامي.

أبو الموفق سعدوس بن عطية. عبدالوهاب بن عبدالرحمن بن رستم.

- مصعب بن سدمان.

وسموا أهل الشورى"، وهم سبعة، حسب أبوزكرياء، وستة، حسب الدرجيني،

الذي حافظ على نفس الترتيب، وأسقط الأخير منهم 604، وهذا الفرق ينم على "تبديل"، سكت عنه أبوزكرياء أو مصادره عمدا، وتحيزا للإمام عبدالوهاب

وتحوطا من "الفتنة" وفيها يقعون. وبعد أن هتك ستر الوصية بالتبديل فيها تداعى خرقها من حيث زمن التنفيذ؛ تنص وصية عمر على ثلاثة أيام فقط، وإلا ضربت أعناق أهل الشورى جميعهم؛ وفي تيهرت" اجتمع أهل الشورى على من يولونه أمور المسلمين، فتدافع بعضهم إلى بعض، إلا أن عامة المسلمين مالت نفوسهم إلى اثنين منهم؛ بعضهم أراد تولية مسعود الأندلسي، وبعضهم أراد تولية عبدالوهاب، فمكثوا على ذلك حول شهر، ثم ان العامة مالت إلى مسعود، فبادروا ليبايعوه، فهرب لهم، واختفى، وابتدروا عبدالوهاب ليبايعوه"، عندها ظهر مسعود، وبادر بالبيعة لعبد الوهاب، وظهر كذلك أبوقدامة اليفرني مبايعا لعبد الوهاب، ولكنه اشترط وأصحابه؛ نبايعه بشرط أن لا يقضي أمرا دون جماعة معلومة من المسلمين 605، أي أنهم اشترطوا شورى دائمة؛ مجلس شوري، فبادر مسعود إلى رفض هذا الشرط، وجعله بدعة "ما علمنا في أمور الإمامة شرطا، غير أن يحكم فينا بكتاب الله وسنة نبيه عليه السلام

الرستمي، أما الدرجيني، وكان دوما يصحح نص أبي زكرياء، فعدل القائمة بما وآثار الصالحين قبله". يوافق ستة فقط، حسب ما ذكر في أولها، ومن الأكيد أنه تعمد تغطية حقيقة أن وصية عمر بن الخطاب جعلت ابنه عبد الله في الشورى، ولكن دون أن يكون له من الأمر شيئا، فان اقتدى الإمام الإباضي بعمر بن الخطاب في هذا الأمر، وذلك

604 أبوزكرياء ص 89 الدرجيني ص 46

وقيل ان أبو قدامة اليفرني وأصحابه، تركوا الشرط، حين رده الناس عليهم، وبايعوا عبدالوهاب بعد مسعود، وتبعهم الناس، ويبدو أن الواقع غير ذلك، فقد

605 - أبوزكرياء ص 89

235

234