تاريخ إباضية تمازغا: مقدمة في تاريخ الإباضية ببلاد المغرب في القرون الهجرية الأولى محمد سعد الشيباني

تاريخ إباضية تمازغا

الجزء ١ · صفحة ١٥٢

ومن الطريف أن هذا النور اختفى فجأة لما دفن في نفس المكان بدوي ممن يأكلون الميتة 745، بينما أفلح "الجمل" عبد الرحمن بن رستم 160 - 171 هـ في إقامة إمامة بتدبيره وحده وفي زاوية نائية من إقليم المغرب، وعلى تلال رطبة، قلما تشرق فيها الشمس،746، وغير بعيد عن نظيريه؛ عبد الرحمن الداخل؛ صقر قريش

172 - 138 هـ في الأندلس، وإدريس العلوي في وليلي 172 هـ 7

747

قدم الإمام عبدالرحمن للمحكمة "إمامة" على طبق من ورد؛ دون أن يكلفهم شهداء في معارك مع "المسودة" و "الظلمة"، ولذلك سرعان ما بايعوه وبأثر رجعي؛ فقد ذكروا أن الإمام أبو حاتم الملزوزي 145 - 155 هـ في نترابلس، كان يرسل المجبي إلى ابن رستم المتحرز في نواحي تيهرت اعترافا منه بإمامته، وهو أمر يصعب تصديقه كالتأكد منه.

اعتمد الرستميون على تدبيرهم وحنكتهم في إظهار الإمامة؛ أنشئوا "مدينة" تخصهم عمروها بالأسواق والتجارات والحرف، حتى غدت كالبصرة في العراق (مهد المحكمة؛ ومنهم الإباضية)، جذبت إليها التجار والعلماء والمبدعين في كل حرفة وصناعة، وفن ومن كل عرق و مذهب؛ استوطنها أجناس من الفرس والعرب والأمازيغ والسودان وأديان من النصارى واليهود، ومذاهب شتى من السنة والمعتزلة والشيعة والصفرية، قيروانيون وأندلسيون بصريون وكوفيون وغيرهم، نظام لبرالي قل نظيره 748،

745 ـ مال الغير المأخوذ بدون وجه شرعي؛ غصبا ونهبا،

746 - الدرجيني ص 43

747

- برزت كيانات مستقلة عن الخلافة خلف القيروان؛ إمارة بني يفرن بتلمسان 124 - 173 هـ إمارة برغواطه في تامسنا 124 - 543 هـ - إمارة الأمويين بالأندلس 138 هـ إمارة الصفرية 140 هـ بسجلماسه - إمارة الرستميين بتيهرت 160 هـ - إمارة الأدارسة 173 هـ بـ وليلي ثم فاس، ثم ظهرت الأمارات الموالية للخلافة - الأغالبة 184 هـ بالقيروان - ابن طولون 254 هـ بمصر والشام، وبذلك استقل كل المغرب عن خلافة، بغداد والمغرب في الإدارة العباسية يعني كل ما هو غرب دجلة

748

والمشرق كل ما هو شرقها، وهناك ديوان (وزارة) للمغرب وديوان للمشرق. ابن الصغير" تاريخ الايمة" الرستميين" كتب فى حدود 290 هـ حققه د محمد ناصر و

-

إبراهيم بحاز، طبع دار الغرب الإسلامي بيروت 1986

إذن ما دام الرستميون "جمالا" فما حاجتهم إلى نفوسه؛ إباضية سكنتهم التقوى واستبد بهم الورع، وشملهم الزهد؟ بل ما حاجتهم إلى الإباضية، وهم في محيط متنوع عرقيا ومذهبيا ومدينة مزدهرة متوازنة مستقرة؟ وفي نفس الوقت ما حاجة أهل الجبل إلى أيمة لهم في أطراف بعيدة لا يرونهم رأي العين؟، ولا يستفيدون من سوقهم، ولا من أجنادهم في فرض النظام والعدل والدفاع عن الأوطان؟ إنها علاقة عجيبة فعلا، كالتي بين الجمال والغنم لا من ناحية الأحجام، فقط، بل من حيث

السلوك والمصالح أيضا. وحد مذهب المحكمة، مبكرا، بين أوطان نفوسه وقبائل الأمازيغ حولها، من هواره، وزناته وتمكن اتحاد بطون وعشائر هذه الأقوام من إظهار الإمامة، وتحقيق قدر من الاستقلال، إلا أن تأصل الفرقة بينهم أضعف أمرهم؛ فكان عموم البرانس؛ أهل المدر يناصرون سلطان الرومان ثم العرب ضد إخوانهم عموم البتر؛ أهل الظعن؛ البدو الثائرين عليه، وكانت الفرقة سهلة بين كل قبيلين؛ فلم يكن بين هواره ولواته وزناته إلا العداء، وكذلك بين أوطان نفوسه؛ أثناء مواجهة الإمام أبو حاتم الملزوزي 155 هـ جيش الخلافة، خذله فريق من نفوسه وآخر من هواره، ولم تنصره، زناته فهزم، واستبيحت الأوطان كلها، وفرت القبائل خلف اللمس كعادتها زمن الرومان.

"خرج قسم كبير من نفوسه ولحق بابن رستم و قعد" أكثرهم في "الوطن" مرتبطا بما يملك من غراسات وتجارة وحرف ومنازل يعسر التفريط فيها، فاستماتوا في الدفاع عن أوطانهم ودينهم "الحق"، الذي به تنتظم دنياهم وآخرتهم، فبدوا كقعدة محكمة إباضية البصرة، مع رابطة جزئية بإمامة تيهرت؛ قسم الشيخ مامد النفوسي دهره على أربع؛ سنة يتعلم في غدامس، وسنة يجاهد بتيهرت، وسنة يمضي إلى الحج، وسنة يتعبد في مشاهد الجبل؛ أي أن العلاقة بالإمامة تأتي في المرتبة الثانية وبنسبة الربع فقط؛ ففرص الجهاد ليست سانحة على الدوام، وإن كانت دائمة الحضور في وجدان أهل البصائر

299

298