تاريخ إباضية تمازغا: مقدمة في تاريخ الإباضية ببلاد المغرب في القرون الهجرية الأولى محمد سعد الشيباني

تاريخ إباضية تمازغا

الجزء ١ · صفحة ٢٣٧

وأدخل في روع شيخ الحشان؛ أن تمدلست على طريق العرب في المغرب من طرابلس إلى افريقية، ويلاحظ من الصياغة المربكة للعبارة أنها غير صادقة، وكأنه صيغت لتغطية مقصودة لحقيقة زيفها؛ فعيون تمدلست تقع في موضع، حصين وسط جبال، تمدلست، ولم تكن يوما طريقا أو ممرا للقبائل، بل أن تضاريسها الوعرة تعيق حركتها، وتشكل عليها خطرا، قادتها أفطن من توريط قومهم فيه، ولا يعقل أن تتجشم قبائل بني هلال المشار إليها، مخاطر الجبال وتترك فضاء الجفارة الواسع، الذي يسهل حركة الخيول والإبل، مع توافر الغذاء

المناسب لها.

فتفرق من كان مع الشيخ أبي الربيع سليمان في لمايه وجبال زنزفه لئلا يكسروا نهي الشيخ أبي القاسم، ثم إنهم اجتمعوا عليه، بعد ذلك، ومضى إلى جبال زنزفه وقصد بهم إلى قلعة بني علي، فكانوا في غار، فكثرت التلامذة حتى صار لا يسعهم الغار الواحد، فانتقل بعضهم إلى غار آخر، فكان الشيخ ليلة عند هؤلاء وليلة عند هؤلاء".

وإن صح الخطر الذي فرقهم، فالموضع الذي جمعهم في زنزفه أقرب وأيسر للعرب من، تمدلست وإن كان الأمر يتعلق بمجرد عبور العرب، فأولى لهم العود إلى موضعهم عند عيون تمدلست، وإنما الأمر يتعلق بمحاولة المتزمتين في جربه تفكيك حلقة، تمدلست التي زعزعت مكانتهم بصفة جدية، وسحب أبو الربيع منهم مشيخة الوهبيه، كفعل شيخه المرحوم أبو عبد الله الفرسطائي، الذي توفي في نفس

الفترة، وارث مكانته شرف يسعى إليه باستماتة كبار شيوخ الدعوة. أقام أبو الربيع بحلقته في غاري، تاملولت عند قلعة بوولي بمطريوه، قرابة خمس سنوات، "ثم أنهم أرادوا الزيارة إلى أهل دعوتهم، فأرسلوا إلى أهل جربه في ذلك، فلحقهم فيها، بعض أهل جربه، حتى وصلوا إلى قصطاليا، وذلك بقية سنة تسع وأربعين وأربعمائة، ووصلوا قنطراره"، ومنها إلى أسوف، وغلانه، تماسن بأجلو حيث ضريح الشيخ أبو عبد الله، فلما قربوا من حيز وارجلان اجتمع

المشائخ ومن معهم من التلامذة، فنهوا عن فعل ما لا يليق فحدوا لأنفسهم حدودا لا يتكلمون في أمر أهل وارجلان إلا على وجه الزيارة والمواعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإقامة بحق الله، ونهوا عن الأفعال الدينية وأخلاق السوء وكل ما يدنس دين الله وما يجر من تدنيسه من المطامع" الفلما وصلوا إلى أسحوحا، اجتمعت إليهم جموع أهل وارجلان وخيار أهل الدعوة، حتى قال قائل؛ لم يجتمع في أهل الدعوة من الأخيار، مثلما اجتمعت في هذه المرة في بلد من البلدان وفي ذلك العصر، وعلى مشارف وارجلان تلقاهم أهلها كلهم بأمرائهم وسلاحهم وهيأتهم ومن يليهم من منازل وارجلان بعدة عظيمة عجيبة، حتى قال قائل؛ لم أر مثل هذه العدة في صنهاجه ولا غيرها"، وتلك بيعة غير مباشرة من شيوخ الوهبيه لشيخ تمدلست. فقصدوا مسجد الشيخ أبي صالح جنون بن يمريان رضي الله عنه، فأخذوا على منازل، سدراته، فإذا دخلوا منزلا اجتمع أهله، فيأمرونهم بالمعروف، وإتباع سيرة أوائلهم، والإقامة بحقوق الله عليهم، ودخل" عليهم سنة خمسين وأربعمائة من التاريخ في البكرات متوجهين إلى بلادهم، فلما جاوزوا حد سماطه؛ فمن كان بقصطايا فإليها، ومن ورائها إلى نواحيها وتوجه الترابلسيون إلى بلادهم؛ ومر أبو الربيع سليمان بن يخلف، رضي الله عنه، إلى زنزفه، ثم إن الشيخ انتقل من الجبل إلى تمدلست. استمد شيخ تمدلست من زيارته لأهل الدعوة في وارجلان شرعية مكنته من كسر نهي الشيخ أبي القاسم البراسني في جربه، فعاد إلى سالف نشاطه في تمدلست، وارتقى بطلابه إلى حد وضع مدونات في تنظيم المسائل" أنجزها وعزابته في جزأين، مححققين عرضا على الشيخ أبي عبدالله محمد بن سودرين، في أجلو عام 460 هـ فلم يزد فيها إلا حرفين"، وتلك قطيعة لا لبس فيها مع شيوخ جربه، كادت تكلف الشيخ حياته؛

467

466