تاريخ إباضية تمازغا: مقدمة في تاريخ الإباضية ببلاد المغرب في القرون الهجرية الأولى محمد سعد الشيباني

تاريخ إباضية تمازغا

الجزء ١ · صفحة ٢٩

شجرة غردق، قريبا من زيتونة كبيرة، لابد من الذبح فيها، عند الشروع في جنيها، وإلا حدث للجناة من أصحابها مكروه، وفي ناحية أبعد من الغابة هناك مزار "سيدك أحمد بن عيسى" في زيتونة كبيرة، يتجنب الجميع الرعي في حريمها او أخذ شيء منه إلا الورثة الشرعيين له، ومن الطريف ان قبر الرجل معروف؛ عند قلعة مصموط، لكنه لا يحتفل به كمزاره عند الزيتونة المذكورة؛ أي ان "روح الشجرة" تتفوق على روح الأب؛ الولي الصالح، والمزار كمكان أهم من المزار كروح، وذلك أصدق نبا على ان عرش العقائد الأمازيغية على الشجر والحجر، رغم دياناتهم السماوية.

تاليت

تنتشر عشرات المزارات باسماء لرجال؛ سيدي ونساء؛ امّك، للّه، لكل منها مريدوه وخواصه التي مازال يقدرها الناس ليومهم هذا، يغدون إليها حتى من وراء البحار، طائعين، آملين ويروحون مستبشرين بالشفاء ونيل المراد، ولكل مزاره او مزاراته المفضلة والمقدرة منه، وكان الناس وخاصة الأطفال والنساء منهم، كل يتفرد بالقسم بما يجل من مزار فيقسمون به غالبا، إلى ان حرم ذلك في

الأعوام الأخيرة، على أنه "شرك وتخلف".

يستدعي البحث عن "روح" المكان المزار في لغة ووجدان مريديه بعضا من الدقة التي لا تتوفر لغير أهل البلد، ويجب استبعاد الثقافة الدينية السماوية، رغم حضورها كدين رسمي مباشر بالنسبة للإسلام، وكإرث موسوم بالنسبة للمسيحية، ذلك ان القوى الخفية او الأرواح لا تسمى كما أسلفنا وتلك صفة بالغة القدم، وذكرت لي مبروكه بنت محمد بن خليفه ضبيعه السدراوي، تـ 1967، وهي تسعينية، ان الدنيا يحكمها سلاطين عدة المرض، الحر، البرد الريح الخير الشر، .... كل سلطان بأمره، وفي الأرض؛ التربة؛ أكال سلاطين تنساب كما المياه؛ جداول وسواقي وأودية، إلى بحائر وبحار.

تسكن الأرواح عادة؛ في مواقد النيران والرماد والدمن والخرائب وحيث الدماء والكهوف والمغاور 134 والآبار المهجورة، وفي الأشجار، وخاصة الشائك والكبير منها، وتتنقل بين أماكنها والمزارات باستمرار، وخاصة في الليل والقيلولة وتحضر عند الذبح، تلهفا للدم والكبد، وعندها تكون خطره، وتستطيب روائح البخور، فتلين وترضى، والسعيد من يحضرها ويسترضيها، ويجتمع كل أصحاب المزارات في مواضع محددة لهم، أهمها تلال "التوي" وسط الجفاره، وهو المزار الذي يجمع كل ورغمه وأكثر ساكنة الجبل. يتوارث الناس ثقافتهم الدينية هذه ضمن قيم عامة كتوارث اللغة والسلوك، فهناك معتقدات تعود الى أزمنة غابرة مازالت قائمة بين ساكنة الجبل؛ فالقرون التي توضع في شرفات المحال ترمز الى عبادة آمون ثم الرب أفورزيل، الذي ظل يعبد في كرزه الى وقت متأخر من القرن الرابع للهجرة، اما الخمسة فهي رمز تانيت ربة الخصوبة، في حين ترمز السمكة الى اله البحر بوسيدون، وكلها تعاويذ بالغة القدم، كتحريم قتل الضفادع التي كانت مقدسة عند الأمازيغ، ويشاع ان قتلها يورث العمى ومن بقايا عبادة آمون سلوك تحريم الأعمال المنزلية ليلا كتنظيف المنزل وغسل الملابس وحتى شرب المياه، ذلك ان آمون باعث الحياة والنشاط يتجسد في الشمس، وعليه لا يتمكن من رعاية أعمال عباده الا عند ساعات الاشراق، والى حد الساعة ما زالت عادة تجنب شرب الماء ليل متمكنة مننا؛ فقد كانت أمي عودتنا على حرمته قائلة؛ "قد يتحول الماء، عند الليل، الى دم"، وكانت

تضطر الى اسراج المصباح لما تتأكد ضرورة سقي أحدنا لمرض الم به. يتجلى التدين في المجتمعات الزراعية في الجبل والواحات منذ القديم، على النحو الذي المحنا، أما مجتمع البوادي، فلم يكن يدين بغير الأعراف البسيطة، وما كان يقيم صلاة ولا طقسا، ولنا في أخبار عبدالله بن ياسين مع بدو لمتونه وأبو عبد الله

55

134 - المصطلحات الأمازيغية ص 26

20

54