تاريخ بني مزاب: دراسة اجتماعية واقتصادية وسياسية يوسف بن بكير الحاج سعيد

تاريخ بني مزاب

الجزء ١ · صفحة ١٧

24

تاريخ بني مزاب

هذه الهجرة تمت لأسباب اقتصادية ناتجة عن ظروف طبيعية. وهناك هجرات أخرى لأسباب سياسية، أهمها انقراض دولة بني مدرار في سجلماسة عام 366 هـ / 976 م (1)، ووصول هلال إلى المغرب عام 443 هـ/1050 م، بني والتخريب الأوّل لسدراته عام 467 هـ / 1075 م على يد أحد أمراء قلعة بني حماد المنصور بن الناصر، والتخريب الثاني لها عام 626 هـ/ 1229 م على يد يحيى ابن إسحاق الْمَيُورقي المرابطي، المعروف بابن غانية، في ثورته ضدّ الموحدين. وخربت سدراته أخيرا عام 672 هـ / 1274 م.

يضاف إلى هذه الهجرات الجماعية استقبال وادي مزاب لعائلات أو الأفراد على مرّ القرون من المناطق المذكورة ومن غيرها. فقد احتضن جماعات متلاحقة وأفرادا شاركوا بني مزاب في إنشاء قراهم وتعميرها. فقد أتى هؤلاء المهاجرون من سدراته ووارجلان ووادي أريغ، وقصر بني خفيان قرب المنيعة، وجبل عمور وقصر البخاري والمدية ووادي غنيم قرب الأبيض سيدي الشيخ، ومن جبل نفوسة وجربة ومن سجلماسة وفقيق والساقية الحمراء وغيرها.

سبق

هؤلاء القادمون جميعهم إباضية أو اعتنقوا المذهب الإباضي عند استقرارهم بالمنطقة، ويطلق عليهم جميعا اسم بني مزاب مثل من سبقهم بها .. يتبين مما أن تصوير بني مزاب بأنهم نزحوا إلى سدراته من تاهرت عند انقراض الدولة الرستمية، وأنّ سكّان سدراته هاجروا منها إلى وادي مزاب عندما خربها الميورقي، وعمّروه وأسسوا قراه، تصوير خاطئ، الهدف منه جعل إباضية المغرب جماعة من الناس تطوف من، مكان والأمر على غير ذلك كما رأينا.

-

-1 استمرت من 140 هـ / 757 م إلى 366 هـ/976 م على مذهب الصفرية.

مكان إلى

تاريخ بني مزاب

25.

-4 الحياة الاقتصادية لعل أبرز سمات هذا العهد أنّ بني مزاب صاروا يفكرون عمليا في

(2)

تغيير حياتهم من النسق البدوي المتغيّر إلى النسق التحضّري المستقر. فجعلوا يتجمعون في مدن أو قرى، كبيرة، ويحفرون آبارا لإقامة زراعة مستمرة تعتمد على الريّ الدّائم، ثم أصبحوا يرحبون بمن يهاجر إليهم، ويستفيدون من خيرات أولئك القادمين من بلاد مختلفة في المجالات المختلفة لوسائل الحياة، ولاسيما في مجال الزراعة الثّابتة (1) ذلك أنّ النخلة لم تكن موجودة بوادي مزاب إلا بعد نزوح من مهاجرين من وادي أريغ وسدراته إليه استطاع المزابيون أن ينشئوا واحاتهم الاصطناعية على وادي مزاب وعلى روافده، واستعانوا على قسوة الطبيعة بعقيدتهم المتينة وسلوكهم المستقيم وصبرهم على شظف العيش وكدّهم المستمر، وتقديس العمل اليدوي. تقول الآنسة قوَشُون: «في المجتمع المزابي، لا يقتصر العمل اليدوي على الفقراء والجهلاء. كلّ المزابيين، وحتى مشايخهم، يتعاطونه ويشرفونه. والذي لا يمكن أن يعيش بعرق جبينه يتلقى مساعدات من عائلته وعشيرته في أي حال من الأحوال لا يقبل من المزابي أن يتكفّف» (3).

إلى جانب الفلاحة، هناك من يقوم بصناعات خاصة، مثل صناعة الجبس التي كانت تحتكرها العائلات المعتزلة بالعطف، ومثل صناعة الخزف والجبس التي كانت من نصيب أولاد فخار في أَغَرْمْ أَنْوَادَّاي بمليكة، وقد أتوا بها من المدية.

-1 علي يحيى معمّر: الإباضية في الجزائر، الجزء الثاني، 455. -2 - إبراهيم مطياز تاريخ مزاب 100

عارية

3 - GOICHON A.M: La vie féminine au M'Zab، tome I، 239.