تاريخ بني مزاب
الجزء ١ · صفحة ١٩28
تاريخ بني مزاب
إن أبا عمار عبد الكافي الوارجلاني (1) ساهم مساهمة كبيرة في الإعداد النهائي لِسِيَرِ حلقة العزابة، وذلك في القرن السادس الهجري. خلاصة القول إنّ بعد مرور زمن يصعب تحديده على القرى الحالية الأولى لمزاب، تصدّرت أمرها حلقة العزابة بمفهومها الشائع لدينا كسلطة عليا مطلقة قائمة مقام الإمامة العظمى يقول لوفيكي: «يبدو أنّ هذه المؤسسة (حلقة العزابة) لم تكن موجودة بعد في مزاب، في عهد الدّرجيني (2)، في النصف الأوّل من القرن السابع الهجري، الثالث عشر الميلادي الميلادي» (3). وحلقة العزابة لها حق اختيار أعضائها بدون أدنى مداخلة لمن عداها في ذلك، يختار من كلّ عشيرة في القرية قدر ما ينوبها من الرجال ويتحرّى في اختيارهم أعلم وأورع وأصلح من في العشيرة بشرط أن يكون متخرجا في دار التلاميذ (إِرْوَان)، إلا إذا لم يوجد مثله في العشيرة فإنّه يختار من (إِمَصُورْدَنْ) أي أصحاب المحاضر لا سواهم. ودفعا للحاجة المادية فإن الذي ينضم إلى حلقة العزابة يتطلب فيه أن يكون صاحب عمل أو حرفة، فأعضاء العزابة كلّهم يكسبون قوتهم من كدّ يمينهم، واعتمادهم على أنفسهم في كسب القوت يضفي على مهمتهم الدينية
CA
1 - أبو عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب ولد بتناوت إحدى قرى وارجلان وبما نشأ نشأته الأولى، ثم ارتحل إلى تونس في عهد الموحدين فجد في طلب العلم، واستقر بعد ذلك في وارجلان، وتفرغ للتدريس والتأليف والفتوى وبما توفّي قبل أبي يعقوب الوارجلاني إذ تولّى هذا الأخير الإجابة عن رسائل وردت على أبي عمار توفّي الوارجلاني عام 570 هـ/1174 م.
وكتاب الاستطاعة. أبرز مؤلفات أبي عمار: الموجز في علم الكلام، وشرح كتاب الجهالات، والسير، واختصار المواريث،
-2 أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني ولد في مطلع القرن السابع ودخل حلقة وارجلان عام 616 هـ. أخذ العلم عن أبي سهل يحيى بن إبراهيم أحد علماء وارجلان وكان ذكيا مقبلا بكليته على التحصيل. أشهر ما ترك كتاب طبقات المشائخ بالمغرب.
3 - TADEUSZ LEWICKI: Encyclopédie de l'Islam، HALKA.
29.
تاريخ بني مزاب صفة النزاهة والقناعة والتعفّف وإخلاص العمل لله وحده، كما أنّ اشتغالهم يجعلهم أدخل في الحياة الاجتماعية، وأكثر احتكاكا بفئات الشعب في حياتهم اليومية (1) نقل عن الشيخ أبي عمار عبد الكافي أنه قال: «لا يدخل أحد الحلقة حتى تكون فيه أربع خصال: الأولى أن يكون كيسا أديبا الثانية أن يكون مشمرا في طلب العلم، الثالثة لا يكثر دخول الأسواق، الرابعة يغسل جسده بالماء ويغسل قلبه بماء وسدر. أمّا الجسد فيغسله من الدنس من النّاس وأمّا القلب فيغسله من الغش والكبر وما أشبه ذلك مما يوجب إحباط العمل … وأما صفة أهل الحلقة فتنقسم على أربعة أقسام: فالقسم الأوّل يجتهد في طلب العلم والأدب … والثاني أن يكون حافظا للقرآن والثالث أن يكون مجتهدا في حقوق الضعفاء والمساكين ومنتصفا الظالم للمظلوم، وقائما بحقوق الأسواق والمجازير وحقوق المدينة، وقائما بما من ينوب الضعيف والمنقطع عن أهله … والرابع أن لا يولوا مال المسجد من كان له مال كثير ولا من كان له أولاد كثير، بل يولونه من كان كان بين بين».
ثم يضيف الشيخ أبو عمار قائلا: «وأمّا الشيخ فتلزمه حقوق كثيرة بينه وبين العزابة وبينه وبين تلاميذه ويكون الشيخ ينصف الحقِّ من نفسه لنفسه. ويرتب أهل الحلقة على ثلاثة أقسام: قسم هو بنفسه، وقسم أربعة رجال، وقسم ما بقي من العزابة من الحلقة أربعة رجال من السابقين في الهجرة، الحل والعقد عليهم … والمشورة كلّها راجعة إلى الشيخ، والباقون من العزابة ساكتون، ينظرون بأعينهم ويحفظون ما تقول تلك الأربعة هم وشيخهم». عدد العزابة من غير الشيخ اثنا عشر: الإمام والمؤذن، وثلاثة لتحفيظ القرآن الصبيان الصغار في المحاضر، وخمسة لغسل الموتى، ووكيلان على مال المسجد.
1 محمد ناصر: حلقة العزابة، 15.