تاريخ بني مزاب
الجزء ١ · صفحة ٣١52
تاريخ بني مزاب
في القرن الثامن عشر الميلادي كانت القوافل المارة على غرداية تحمل إلى الشمال التمور والملح والعاج والذهب والجلود والأقمشة وريش النعم، وإلى الجنوب الحبوب والزيت والسكر والنحاس ومنتوجات مصنوعة بالتل وأوروبا. كان بنو مزاب يتعاطون تجارة العبيد الذين تستقدمهم قوافل الشعانبة مما كان يسمّى السودان الغربي. معظمهم أولاد صغار السن، يتم السطو عليهم بالغصب والسرقة، وبيعهم ظلما. وتعدّيا. أصلهم من النيجر العالي وتُمبكتو وهَاوْسًا والبُرْنُو وبامبرَهُ.
وبالرغم من وضوح مصدر هؤلاء الذين حكم عليهم بالرق - وهم ليسوا كذلك شرعا - فقد انتشر الرق في مدن مزاب لعدّة قرون، رغم جهاد العديد من علماء مزاب في سبيل محاربة هذه الظاهرة (1).
قلت الولاة ظلت غرداية قرونا مرحلة في التبادل بين التل والسودان، كما كانت مرحلة في التبادل التجاري بين قوراره وتوات غربا ومنطقة وارجلان شرقا. بهذا نصل إلى القول بأنّ التجارة ليست سبب إنشاء مدن وادي مزاب، لكنّها ساهمت في تنميتها اقتصاديا واجتماعيا.
يبدو أن تزايد السكان وضعف مردود الفلاحة أجبرا بني مزاب على التفكير في موارد أخرى للعيش، يضمنون بما بقاءهم في المنطقة، فأخذوا في الاغتراب إلى مدن التل قصد التجارة. لم نعثر على تاريخ بداية هذا الاغتراب، إلا أن المؤرخين يذكرون
أنه كان يوجد بمدينة الجزائر مزابيون في بداية القرن الرابع عشر الميلادي.
إن الفلاحة لا تضمن للمزابي الذي يقتصر نشاطه عليها مستوى معيشيا مقبولا. مشكل الرّي وإنهاك التربة يفرضان حدا للمساحة المزروعة ومردودها. هذه الظروف جعلت من الواحات بؤرا للاغتراب.
-1 بشير بن موسى الحاج موسى ملامح عن الحياة الاجتماعية بوادي مزاب في القرن 13 هـ نوازل عمر بن يوسف بن عدون اليسجني، 28 - 29.
من
خلال
53
تاريخ بني مزاب كان أهل غرداية يكثر ذهابهم إلى قسنطينة وسطيف وغليزان وأهل بني يزفن إلى قسنطينة وقالمة وسوق اهراس والبليدة، وأهل العطف إلى الجزائر وقسنطينة، وأهل بونورة إلى الجزائر وتيارت وأهل مليكة إلى الجزائر وباتنة وخنشلة والسور و بوغار، وأهل بريان إلى الجزائر، وقسنطينة وأهل القرارة إلى العلمة وباتنة وخنشلة والبليدة، وكان بعض المزابيين يقصد تونس وليبيا وحتى الإسكندرية.
أكثر المغتربين إلى تونس من غرداية والقرارة وبني يزفن، يكثر عددهم بالعاصمة
وفي جربة. أما في غيرهما فنجد مثلا في 1867 م تسع عائلات مزابية في سوسة في الجزائر العاصمة أحصي عام 1838 م 629 مزابيا، ارتفع عددهم حتى بلغ عام 1846 م،2233، في حين أن العدد الإجمالي للمزابيين المغتربين في تلك السنة بلغ،3.036، بعد ذلك سقط عددهم في العاصمة حتى بلغ عام 1850 861، ثم عاد إلى الارتفاع ليصل عام 1856، 1449 مزابيا .. نجد في إحصاء نوفمبر 1852 م أنّ عدد المزابيين في سكيكدة وبجاية سبعة وخمسون، وعددهم في سوق أهراس عشرة، وفي المدية 364 وفي سنة 1858 م أحصى في الشرق الجزائري 351 مزابيا 153 منهم
بمدينة قسنطينة.
أهل العطف كانت تجارتهم في اللحوم والبقول، وأهل غرداية وبني يزفن في الأقمشة والألبسة وأهل بونورة في الفحم والخشب والزيت، وأهل مليكة في الحبوب والتمور والحمامات. أما أهل برّيان والقرارة فتجارتهم كانت متنوّعة. يقول الدكتور عمار بن خروف فيما يتعلق بالأعمال التي كان المزابيون يمارسونها في مدينة الجزائر في العهد العثماني، حتى كاد بعضها يكون حكرا عليهم: "إنهم تميزوا بنشاطهم المتنوّع في المجال الاقتصادي … مثل: - إدارة الحمامات التي كادوا يحتكرون تسييرها.
- الإشراف على تسيير جلّ أفران الخبز في المدينة، ومطاحن الحبوب فيها.