تاريخ بني مزاب
الجزء ١ · صفحة ٣٧64
تاريخ بني مزاب
كان أوّل ما بدئ بإقامة الاحتفاء بذكرى ليلة المولد النبوي واتخاذ هذه الذكرى عيدا إسلاميا رسميا وموسما دوريا أن أقامه أوّل مرة الملك أبو سعيد مظفر الدين صاحب أربل بالقرب من الموصل على شاطئ دجلة المتوفى سنة 629 هـ /1231 م، ثم تطرّق العمل على إحياء هذه الذكرى النبوية إلى البلاد الأخرى فوصل إلى مصر زمن الملك الكامل الأيوبي المتوفى سنة 635 هـ/1238 م، فكان هذا أوّل من احتفل به في مصر. وأمّا في المغرب الكبير فكان أوّل من عني بإقامته والاحتفاء بذكرى يومه وليلته هو الأمير محمّد بن أحمد الغزفي صاحب سبتة المتوفى سنة 677 هـ / 1279 م، كما أنّ السلطان أبا حمو موسى الثاني عاهل دولة بني عبد الواد الزيانية المتوفى سنة 791 هـ / 1389 م كان هو أوّل ملك جزائري أقامه بالجزائر. وإلى محمد ابن عثمان الكبير باي معسكر فاتح وهران عام 1206 هـ / 1792 م، يرجع ترسيم ذكرى يوم المولد النبوي واعتباره عيدا وموسما رسميا، تحتفل له الحكومة التركية الجزائرية بأفخر وأبهج مظاهر الزينة، ويعلن ذلك بانطلاق أصوات المدافع مدوية في الفضاء. وإذا استهلّ شهر رمضان تعمر المساجد كلّها بقراءة القرآن، ولا تنقطع قراءته إلا في أوقات الصلوات المفروضة. وبعد صلاة المغرب جماعة يقع التنفل والاحتياط للصلوات الخمس، وبعد ذلك تصلّى التراويح جماعة. وتقع ختمات القرآن عشية وهناك أحباس تفرق على من حضر الختمة إلى وقت المغرب. وفي عدد من جمعات السنة، يجتمع الطلبة في إحدى المقابر ويفرقون قراءة القرآن على أربعة مجالس: مجلس البقرة إلى الكهف، ومجلس مريم إلى سورة الرحمن، ومجلس سورة الرحمن إلى الملك، ومجلس الملك إلى الخاتمة. وبعد العصر يجتمعون لقراءة القرآن ثم تكون الختمة والدعاء من جميع أفراد حلقة العزابة. ويحضر تجمع العشية العامة من الناس. ويقع توزيع الصدقات
65
تاريخ بني مزاب صباحا من تمر وخبز وغيرهما. وبعد الختام عشية فإنّ الطلبة والعامة يحلقون لأكل الطعام ويفرق اللحم على الطلبة.
هذه الصدقات معاريف أو أحباس مؤبدة علقها أموات تلك المقبرة في الديار التي كانوا يملكونها، يؤديها من اشتراها أو اكتراها من بعدهم. وحبس مقابر الشتاء أكبر وأوسع من غيرها. فالضعفاء يكونون في هذا الفصل البارد أحوج إلى المساعدة. وفي شهر مارس من كل سنة تنظم في بلاد مزاب كلّها زيارة الأماكن التاريخية من أماكن السواحين قديما ومساجد ومقامات بنيت لبعض الأشياخ المصلحين كمقام الشيخ أبي ساكن عامر الشماخي ببريان (1)، ومقام الشيخ أبي عبد الله محمّد بكر بالعطف ومسجد ومسجد الشيخ إبراهيم بن مناد بها (2).
بن
ومسجد عمي سعيد بغرادية، ومسجد باعبد الرحمن الكرتي بين مليكة وبونورة، وبعض المحاضر القديمة وبعد الزيارة لتلك المشاهد صباحا يجتمع كل بلد لتوزيع الصدقات من التمر والخبز وشرب اللبن، وذلك في منتصف النهار. ثم يجتمع الطلبة والعامة عشية لختمة القرآن والدعاء والابتهال إلى الله أن يسقي الوطن ويحفظه (3). عيد الزيارة هذا من بقايا عوائد البربر السابقة للإسلام. فقد كانوا يعتبرون فاتح مارس غرّة العام ويتخذونه عيدا وهو عيد دخول فصل الربيع وعودة الطبيعة إلى الحياة، كما كانوا يسمون إله الربيع (يَدَّرْ). في ذلك اليوم النساء والأولاد يتجولون في الطبيعة ويغنّون حاملين ما أعدّوه من يخرج الطعام لهذه المناسبة يتناولونه على بساط الحشيش
(4)
معهم
1 - أبو ساكن عامر الشماخي أبرز فقهاء الإباضية. أخذ العلم عن أبي موسى عيسى الطرميسي. جلس للتدريس والتأليف طول حياته. وقد درّس بمتيون ثلاث عشرة سنة وتحوّل إلى يفرن عام 756 هـ / 1355 م. من أبرز تلاميذه أبو القاسم البرادي صاحب كتاب الجواهر. توفي متقدم السن عام 792 هـ /1390 م. له عدة مؤلفات منها كتاب الديانات في التوحيد وكتاب الإيضاح في الفقه. -2 - إبراهيم بن مناد عاصر الشيخ باعبد الرحمن الكرتي. - إبراهيم مطياز تاريخ مزاب، 130.
4 - GAID Mouloud: Les Berbers dans l'histoire; Tome I، 215.