تاريخ بني مزاب: دراسة اجتماعية واقتصادية وسياسية يوسف بن بكير الحاج سعيد

تاريخ بني مزاب

الجزء ١ · صفحة ٤٤

78

تاريخ بني مزاب

مما تضمنته الاتفاقية أن السيادة والسلطة في قصر متليلي لإباضية مليكة، ولهم الحق والحرية في التعامل مع غيرهم من غير تدخّل الشعانبة. كل الرعايا الشعانبة في متليلي يدفعون إلى الإباضية في القصر ضريبة سنوية قيمتها شاة واحدة على الشخص مع ما تنتجه من صوف وسمن ولضمان تطبيق بنود هذه الاتفاقية تم تحويل عشر عائلات من متليلي إلى مليكة وإسكانها ناحية باب ابن الأطرش. و - بنو مزاب في الأغوط:

لا شكّ أنّ الوادي بإمكانياته المحدودة بدأ يضيق ذرعا بسكانه المتزايدين. و لم يكن استقباله لرعايا جدد ليخفف من الضغوط والمشاكل الاقتصادية. بل ربّما كانت بعض هذه العناصر الجديدة سببا قويا في تعقيد الأزمة الاقتصادية والسياسية بالمنطقة وسببا في إذكاء نار الفتنة بين المتساكنين بالوادي. يُقال إنه لما قُتِل لآل بَاحَة ولد، اغتاظوا وتعصب معهم العفافرة وأولاد نوح فخرجوا جميعا من غرداية، وقصدوا الأغواط، كان ذلك حسب موتيلنسكي (1) في القرن السادس عشر. ولما وصلوا نزل أولاد باخة على فرقة الأخلاف، والعفافرة على فرقة السرغين، فاشتغلوا بالتجارة ثلاثين عاما. ولما اتفقوا على بناء مسجد أخرجهم أهل البلد فرقة بعد أخرى، وهم في أسوأ حال. وفي الغد ذلك، لحقهم بنو الأغواط وهجموا عليهم في بوتر كفين، وقتلوا منهم. أما الناجون فتوجهوا نحو وادي نسا واتبعوه إلى أن وصلوا ملتقاه مع وادي الكبش، أين حفروا بئرا وبنوا ديارا ز - إنشاء قصر الْمُبَرتَحْ:

من

(2)

قلة الأمن جعلت هؤلاء الناجين يرتحلون من جديد، هذه المرّة نحو وادي زَفْرِير، أين أسسوا قصر المبرتخ. انضمّ إلى العفافرة وأولاد نوح

79

تاريخ بني مزاب وأولاد باخه عدد من المنفيين من بني يزفن. انقسم السكان إلى صفّين أحدهما يضمّ أولاد باخه والآخر يضمّ الباقي منهم. نشبت فتن بينهم أسفرت عن نفي أولاد باخه فلجؤوا إلى غرداية، إلاّ أن معاملة سكانها السيّئة لهم جعلت عددا منهم يغادرها إلى مدينة الجزائر للتجارة. وبعد سنوات قفلوا راجعين إلى المبرتخ لكن أهلها أوصدوا الأبواب دونهم (1). -- إنشاء القرارة:

استنجد أولاد باخه بابن جلاب صاحب، تقرت، وأعطوا له أربعة آلاف ريال، فجاء إليهم على رأس ثلاثمائة، فارس، فحاصر المبرتخ ليتمكن أولاد باخه من تأسيس قرية لهم على كدية العقارب سموها القرارة، لا تبعد عن المبرتخ إلاّ بنحو كيلو متر واحد. ارتحل بنو جلاب بعد ثلاثة أشهر من قدومهم، ثم تحارب أهل المبرتخ وأهل القرارة مدّة ثلاث سنوات انتهت بتخريب قصر المبرتخ. لذلك اعتبرت القرارة بلدا مغصوبا. وقع هذا حوالي 1040 هـ / 1631 م. بناء على هذا الاعتبار تبرأ بنو مزاب من أهل القرارة ومنعوا كلّ علاقة معهم للتعبير عن سخطهم أمام أعمال التخريب والظلم التي راح ضحيتها سكان المبرتخ. بقي القراريون أربعين سنة في حكم البراءة، حتّى أذعنوا للتوبة. عندئذ قصد وفد من علماء مزاب وأعيانه القرارة ليصلحوا بين الخصمين، وقبل أهل القرارة دفع ديات المقتولين ورفعت البراءة عنهم وبنيت مئذنة المسجد عام 1080 هـ وقد رفض أهل مزاب حضور وضع حجرها الأساسي مدّة أربعين سنة. تقع القراراة على بعد تسعين كيلومترا في الشمال الشرقي الغرداية وتبعد

1 - Ibid، 388.

عن تقرت بنحو 180 كلم.

1 - A.de C. MOTYLINSKI، (1854 - 1907)، Interprète militaire au M'Zab 2 - . Revue Africaine n°28،387.