فتح القسطنطينية (قراءة نقدية في روايات الفتن والملاحم) خالد بن مبارك الوهيبي

فتح القسطنطينية لخالد الوهيبي

الجزء ١ · صفحة ٤٨

* فالظاهر أن روايات (أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا) و(أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم)،تمثل الطور الأول لظهور الروايات التي تشيد بإنجازات معاوية وابنه يزيد مصحوبة بثناء ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم في وجه الانتقادات العنيفة التي واجهها هذان الرمزان بسبب سياساتهما المخالفة للشريعة.

* وبدأت كذلك تظهر على السطح روايات تشير إلى أن (فتح القسطنطينية) لن يكون إلا إذا (رأيت الشام مائدة رجل واحد وأهل بيته)، وهذه الرواية ظهرت في عهد معاوية.

* واستمرت الدولة الأموية في رغبتها العارمة في فتح القسطنطينية، وجرت محاولات كثيرة لذلك في عهد الوليد بن عبدالملك وسليمان بن عبدالملك، ومع استمرار هذه الحملات ولدت رواية (لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش)، ولا تنسى الرواية أن تذكر أن القائد الأموي مسلمة بن عبدالملك الذي سأل راوي الحديث وهو بشر الغنوي عن الحديث فيحدثه به، فيعزم مسلمة بسبب ذلك على فتح القسطنطينية -كما تصوره لنا الرواية-.

* ولما جاءت مرحلة العجز أمام الصمود العنيف لهذه المدينة أمام كافة المحاولات لفتحها، جاءت مرحلة (ترحيل) فتح القسطنطينية إلى (آخر الزمان) مع ظهور ما يسمى بالدجال. وبالتالي تعفى الدولة الأموية وتخلي سبيلها من فتح القسطنطينية أمام الجماهير المسلمة، التي اندفعت بدافع الإيمان نحو الفتوح ونشر الإسلام-رغم عدم رضاها عن السياسات الجائرة لهذه الدولة.

* والعجيب أن كل هذه المراحل التاريخية التي مرت بها هذه الروايات وجدت طريقها إلى عالم التدوين في العصر العباسي، والذي شهد هو الآخر سكوتاً عن مسألة القسطنطينية، وكأن السلطات العباسية أرادت هي الأخرى أن تخلي مسئوليتها من الصدام مع الدولة البيزنطية بفتح عاصمتها المنيعة، ولذا فقد تسربت تلك الروايات في هذا العصر، ووجدت طريقها إلى عقول الجماهير، بل إنها رسخت في أذهانها إلى يومنا هذا.

٤٨ / ٨٨