سيرة أهل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٢٦وبلغنا عنه أنه اصطحب هو والعباس بن أيوب وجماعة معهم بعد ما ولي العباس إمارة الجبل حتى جاوزوا عن الطريق وقد انقطع بالماء فقفز العباس حتى جاوز الجرف ووقف أبو مرداس فقال له: أنقفز مثلك أم نخالفك؟ فقال له العباس: تبت إلى الله يا أبا مرداس. فقال أبو مرداس: إن سلكت الطريق وطلعت من الحائط فأسلك عليها ولا أخالفها، فإن خالفتها لن أرجع إليها أبدا.
وبلغنا عنه حين التقى مع خلف في جربة بفاعيس فجاءه رجل فقال له: خفت لما رأى من كثرة عسكر خلف. فقال له أبو مرداس: لا أخاف على عسكر فيه أبو الحسن الأبديلاني، ثم أتى إلى أبي الحسن وقال له خفت فقال له: لا أخاف على عسكر فيه أبو مرداس
وإنه لما التقى المشائخ مع خلف في فاعيس واشتد القتال قام أبو مرداس فتكلم فقال: ضمنت الجنة لمن مات هاهنا اليوم إلا من كانت فيه ثلاثة قتل النفس التي حرم الله وأكل أموال الناس ظلما والقاعد على فراش الحرام وسأجعل له منهن مخرجا إن شاء الله.
أما من قتل النفس التي حرم
غيره.
الله فليقد نفسه لأولياء المقتول فإن لم يحضروا فليستشد أن يقاتل بنفس
وأما من كانت عليه أموال الناس فليعطهم، فإن لم يجد فليوص بها.
وأما القاعد على فراش الحرام فليرفع نفسه عنها.
فقام رجل من جار أنزرار يقال له وادكين فقال: قتلت أبرقطشان وأكلت ماله فقال له أبو مرداس: حملان ثقيلان أخاف أن لا تنجو ففعل ما ذكر له أبو مرداس فدخل القتال بغير ترس فلم يتق عن نفسه شربة وجعل يدخل فيهم ويخرج وليس عليه إلا وزرة جلد فلم تأخذه ضربة و لم يحمد واله ذلك، وقد كان أعطى قبل ذلك لأبي مرداس بطة عسل فرد له أبو مرداس بطة عسل وأنفق مثل ذلك وأعطى لورثة أرقطشان مثل ذلك.
وبلغنا أنه لما اشتد القتال من خلف وأصحابه في فاعيس قال أبو مرداس للعباس: تب إلى الله يا ابن أيوب فإنه لا يقف الباطل للحق أكثر من هذا، فقال له العباس: تبت يا أبا مرداس. فانهزم القوم وقال بعضهم: إنما قال له العباس: ماذا صنع العباس حتى يتوب؟ إنما عدم القتال من يفعل هكذا. ثم نزل إلى القتال بنفسه فانهزم القوم ولما انهزم خلف وأحصابه قال أبو مرداس للناس: ارجعوا، ارجعوا فقال له رجل أين لالت؟ فقال أبو مرداس نسيت لالت نسيت لالت؛ فاتبعوهم حتى خرجوا من حد لالت. ولما رجع الناس أتوا إلى العباس يهنونه ويباركون له فقال لهم: إنما هنوا أبا مرداس وأبا الحسن اللذين لم يناما ليلهما يبتهلان بالدعاء إلى
الله.
24