الوقف الجربي في مصر
الجزء ١ · صفحة ١٠١في حفظ
الوقف الجربي في مصر للغني والفقير وللذكر والأنثى، وللكبير والصغير بشرط توافر الرغبة الصادقة الكتاب والعمل بأحكامه ويبني المؤدب بعمله صرحا شامخا للأمة، إذ يتخرج على يديه رجال مهذبو الألسنة والأخلاق، العطاء منهم مرجو والنفع منهم منتظر، رسم القرآن لهم المنهج فساروا عليه في علاقاتهم بأسرهم ومجتمعهم وأنار لهم الدرب فسلكوه ثابتين. وفي ظل معاناة الأمة من تغييب القرآن عن ا الساحة تحكيما وتعليما، وما يشنه عليه الأعداء من حرب، حرمانا للمسلمين من مصدر العزة، ما أحوج الأمة إلى مزيد التمسك بالقرآن إحباطا للمؤامرة وإرجاعا للعزة المفقودة، ولن يتحقق هذا الأمل إلا بتربية جيل يتلقى القرآن عن شيخ قارئ يحفظه في الصدر ويعمل بحكمه في كل أمر بعد طول هجر لتلاوته وبعد تعطيل لأحكامه. ويتسابق الطلاب على الحصول على الشهادات لأنها تفتح الطريق للوظائف والدراسات العليا، لكن طلبة الوكالة سابقا، وطلاب المدرسة القرآنية المقترحة لا يحرصون على شهادة دنيوية بل تكفيهم أن يكتبوا عند الله من أهل الذكر وحملة القرآن، والشهادة قد تحد نشاط الحائز عليها، وتقفل شهية، نهمه لذلك لا بأس من الجمع بين الحسنيين: الشهادة والاستزادة، في العلم الشرعي والدنيوي.
والمتتبع لحاضر الجاليات الإباضية من حيث الصلة بالقرآن الكريم تدريسا وتكريما للحفظة وتطبيقا لأحكامه يجد تفاوتا بين المواطن يعود إلى مدى تمسك أهل كل بلد بالكتاب العزيز وتربية الأبناء عليه أو مدى إهمالهم لهذا الفرض وتفشي الجهل بقيمة هذا المصدر العزيز. ففي جربة طال أمد هجر القرآن بعد عصر انحطاط ساد البلاد كافة، ولولا بقايا نظام العزابة وبركة آثارهم في تنظيم ختم القرآن في مناسبات الزواج والعزاء وبعض المناسبات الدينية لما وجدنا حاملا للقرآن أو تاليا له على قواعده وأحكامه. ولأن المولى تعهد بحفظ كتابه فلن تخلو أمة من حامل للقرآن وعامل بالتنزيل. لقد بلغ الأمر بأهل جزيرة جربة أن يستقدموا إماما (1) يصلي بهم التراويح في رمضان ويختم أثناءه القرآن لندرة الحافظين في ساحة الجزيرة!! وقد كانت جربة في القرن العاشر الهجري حاملة مشعل الهداية، فقد أنقذت وادي ميزاب من الجهالة التي كانت تسود في ربوعه، فبعثت العزابة الشيخ المسمى (عمي سعيد الجربي) والملقب بمحيي السير والعلم فأنار السبيل، وبعد أن كانت جربة مطلوبة أصبحت طالبة، وقد لجأ بعض أهلها إلى تكليف أربعة طلاب بحفظ. ربع القرآن ليؤدي من حفظه الربع الذي تعهد به ويتداول هؤلاء على الصلاة حتى يختموا القرآن آخر الشهر)
(1) كان ذلك في جامع الشيخ بجربة، والإمام الضيف كان من ميزاب في 1983 م.
(2) كان ذلك بمسجد الهنتاتي بتونس العاصمة واستمر الحال إلى أن حفظ أحدهم القرآن في 1987 م.
(2)
الفصل الخامس تقويم التجربة الوقفية
وليست القضية مستجدة، بل منذ قطع الناس صلتهم بالكتاب، وأقبلوا على الدنيا فغفلوا عن النور الذي معهم وهاموا في الظلمة فتاهوا. بينما عرف الأجداد فضل القرآن فعكفوا على دراسته وحفظوه أبناءهم في سن مبكرة فتعاقب في كل جيل حملة للكتاب يحفظونه في صدورهم ويطبقونه في حياتهم (حملة القرآن هم أهل الله وخاصته) (1).
لقد تاب الفضيل بن عياض من قطع الطريق لسماعه آية مؤثرة عالجت قسوة قلبه فخشع للحق وذلك لما سمع قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ
(A)'
حافظ
مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (2)، واستقام أمر الفضيل حتى لقب بعابد الحرمين، وهو القائل عن. كتاب الله: (حامل القرآن حامل راية الإسلام ينبغي له ألا يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، تعظيما لحق القرآن) (3). إن تعليم القرآن خير ما يقدمه الأب المسلم لأبنائه قال صلى الله عليه وسلم (ما من رجل يعلم ولده القرآن إلا توج يوم القيامة بتاج من الجنة) (4). وباستعراض حالة باقي مواطن الإباضية بخصوص العناية بتحفيظ القرآن الكريم يلاحظ النجاح الباهر الذي حققه أهالي وادي ميزاب (0) فالعوام مع الطلاب يملؤون حلقات القرآن بالمساجد، أما مدارس إيروان (حملة كتاب الله فيتخرج منها سنويا عدد من المستظهرين للكتاب الكريم، وكذا من المعاهد الشرعية (معهد الحياة بالقرارة، معهد عمي سعيد بغرداية، المعهد الجابري بين يسجن). بل وتنظم تربصات مغلقة. في الإجازة الحفظ القرآن في عقارات موقوفة وبتبرعات أهل الخير دعما لمشروع تحفيظ القرآن للأجيال الناشئة واستثمار العطلة الطويلة لإكمال الحفظ مع التفرغ التام له. أما في جبل نفوسة فالوضع يبشر بخير إذ تنتشر الكتاتيب بكثرة ودون عوائق، وتنجح في تزويد الأمة بعدد من الذكور والإناث، وقد تكمل الفتاة حفظ القرآن في البيت إن تعذر ذهابها إلى المدرسة. (1)
الحفظة
من
وفي زنجبار () بعد محاولات لقطع صلة العرب المسلمين بجذورهم العمانية، وطمس اللغة العربية ونشر السواحلية فقد بقي العمانيون المستقرون بزنجبار والجزيرة الخضراء
(1) أحمد بن حنبل: المسند، ج 3، ص 127
(2) سورة الحديد آية 16. (3) عبد الله الصباغ فن الترتيل، مطبعة الألوان الحديثة، مطرح ص 16. (4) سليمان الطيراني: المعجم الأوسط، م. س، باب من اسمه أحمد، حديث رقم 96، ص 74.
(5) مقابلة مع الدكتور محمد صالح ناصر، مسقط، في 17/ 1 / 2004 م. انظر مجلة (الحياة)، العدد الخامس، ص 281 (6) مقابلة مع الأستاذ سليمان الشيباني المقيم بمسقط (وهو من أصل ليبي) في 14/ 5 / 2003 م.
(7) مقابلة مع الأستاذ منير المسروري (مدير معهد الاستقامة بزنجبار (سابقا) في 2014/ 4/15.
- 190 -
-148 -