الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ١٠٢

الوقف الجربي في مصر

متمسكين بإسلامهم ولغتهم، وازداد وعيهم في الآونة الأخيرة حيث قام معهد الاستقامة بتجربة رائدة في التحفيظ وتطبيق أحكام التجويد يشهد لها طلبة هذا المعهد الملتحقين بمعهد العلوم الشرعية في عمان الذين برزوا في الحفظ والتجويد، لكن الأمر في بدايته وهو محدود يحتاج إلى توسيع.

وأما في عمان الدولة ذات الإمكانات المادية الهائلة، فلا تزال النهضة في مجال تعليم القرآن في أولى خطواتها، إذ تقوم بعض المدارس القرآنية الخاصة والمراكز الصيفية المؤقتة بالمهمة، دون أن تصل إلى هدف تخريج حفاظ. ولابد من التنويه بتجربة معهد العلوم الشرعية الذي يلزم طلابه بحفظ خمسة أجزاء ثم خففها إلى ثلاثة أجزاء، بحيث يمكن للطالب الذي يدرس سبع سنوات (ثانوي) + جامعي) أن يختم القرآن أو يحفظ واحدا وعشرين جزءا، وقد نجح المعهد في تخريج عدد من حاملي كتاب الله) (1).

ومن أهم الحوافز على التعلق بالقرآن: تنظيم مسابقات وجوائز قيمة مثل (25 دولارا لحفظ الحزب الواحد، أو تكريم الحافظ برحلة عمرة، أو إشراكه مجانا في دورة هامة في الحاسب الآلي) واختيار رمضان المعظم شهر القرآن للتكريم لمزيد ربط الطالب بحب كتاب الله والإقبال على مدارسته وتدبره وحفظه، فما جالس أحد هذا القرآن إلا قام بزيادة أو نقصان) (2) وعلى الهيئة المشرفة على المدرسة القرآنية مراعاة الأعمار وتشجيع المواهب والاستفادة من تجارب الكتاتيب في مختلف الأقطار وهي مخولة أن تضع المنهج المناسب وأن تختار العمر، والعدد الممكن استيعابه وأن تتوخى المرونة في التطبيق وإمكانية التحقيق في الواقع.

إن في تأسيس المدرسة القرآنية - بديلا عن وكالة الجاموس - إحياء لغرض الواقف أحمد الجملي الذي حبّس الوكالة على حملة القرآن فالصدقة جارية وعلى مستحقيها من أهل القرآن. وقد تنشأ بعض العراقيل من ناحية مكان هذه المدرسة (القاهرة) إذ تلزم بعض الطلاب تأشيرة دخول الأراضي المصرية، وتكلفة تذكرة الطيران، وصعوبة البقاء لمدة طويلة تكفي لإنجاز الحفظ وتحقيق الهدف. لكن تذليل الصعوبات ممكن ومواجهة التحديات واجب الهيئة المديرة، وسوف تتضافر الجهود المخلصة؛ ليعود الوقف إلى سابق نشاطه، وتتعالى أصوات التالين للقرآن بين جنبات المبنى، وتسود المودة بين الطلاب من. مواطنهم.

مختلف

(1) مقابلة مع الشيخ لؤي قبيصي (مدرس القرآن بمعهد العلوم الشرعية) مسقط، في 10/ 4 / 2004 م. (2) عبد الله الصباغ فن، الترتيل، م. س، ص 17. و القول لقتادة.

الفصل الخامس: تقويم التجربة الوقفية

2 - مكتبة وقفية أصبحت المكتبة الخاصة ضرورية في كل بيت، مسلم تحتوي على مراجع أساسية في مجال تخصص أهل البيت الأب والأم والأبناء (ذكور وإناث)؛ حتى يتيسر الرجوع إلى أي مصدر دون عناء الاستعارة من مكتبة عامة قد لا تتوافر فيها نسخ متعددة من المصدر، فيضطر الطالب إلى الانتظار. لكن المكتبة الخاصة تحتاج ميزانية ليست متيسرة لجميع الأسر خاصة إذا زودها صاحبها بتقنية حديثة كالحاسب الآلي. فالوقف في المجال التربوي بفتح مكتبة موقوفة تمهد الكتاب لطالبه، وتضمن المكان الهادئ، والجو المشجع على المطالعة، والتنقيب، مفيد جدا للجميع.

وقد اعتنى الجربيون منذ استقرارهم بمصر بالأوقاف العلمية فألحقوا بمدرسة الوكالة مكتبة مليئة بالكتب الهامة والأساسية في تاريخ المذهب، وفقهه وتراثه وأغدق الأغنياء في الإنفاق على الطلاب حتى وسع الوافدين وأهل البلد، واستفاد من المكتبة من زارها واطلع على محتوياتها، ومن قدر نفاسة مخطوطاتها وقيمة مصادرها. إن المكتبة الموجودة في المساجد والزوايا تقوم بدور اجتماعي أهم من المكتبة الخاصة لأنها تساعد على نشر المعارف لدى جمهور أوسع، ورغم أن التعصب يعمي البصائر والتمذهب يفسد السرائر، لكن البحث الموضوعي يقتضي الرجوع - عند الكتابة عن مذهب معين إلى أصوله ومصادره لذلك اضطر من كتب عن الإباضية أو أحب المقارنة بين المدارس الفقهية المختلفة أن يزور المكتبة التي تتوافر فيها مصادر إباضية مهمة، وقد زار مكتبة وكالة الجاموس عبر ا العصور مسلمون ومستشرقون منهم! الهولندي (مارتن كوستر) (1).

وقد حرص شيوخ الوكالة عند وقفهم للكتب على نفع الطلاب المقيمين وكل من يرتاد المكتبة، فهي مؤسسة ذات نفع عام ومتعدد، وتعتبر قربة إلى الله تعود مصلحتها لباذلها في الآخرة، وينتفع المتصفح لأسفارها وكنوزها المخطوطة. إن الحضارة الإسلامية أثمرت منذ القرون الأولى الكثير من المصنفات، وبدت الحاجة ملحة إلى إعداد مكان تحفظ فيه الكتب، ويستطيع فيه الباحثون الاطلاع على تلك المؤلفات، فقام الواقفون بإنشاء مكتبات تحفظ الكتاب وتضمن للطالب الوصول إلى المصادر دون الاضطرار إلى نسخه بخط اليد إذ لا تزال الطباعة غير منتشرة والكتاب نادر وباهظ الثمن، لقد يسّر الواقفون الحصول على الكتب المطبوعة والمخطوطة، وضمانا لاستمرار الانتفاع بها شجعوا على الاستنساخ؛ لتتعدد النسخ من الكتاب الواحد، ووسعوا خزانات الكتب لحث طلبة العلم على مزيد التحصيل (1) مقابلة مع الشيخ محمد أطفيش بالقاهرة في 25/ 7 / 2002 م.

- 197 -

- 16 -