الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ١٠٤

6

الوقف الحربي في مصر الرباطات، والزوايا بالمغرب حيث يقيم المرابط بالمدرسة احتسابا للعلم يستنسخ المصاحف وكتب الفقه والعقيدة، ويجاور الطلاب بالزاوية المنشأة عادة حول ضريح ولي مشهور تحبس عليها الأوقاف، وتنظم بها الدروس فيستقر بها الطالب يأكل ويشرب، وتصرف له العطايا لينهي دراسته فيجد بها المكتبة، ومرافق السكن، والأكل والشرب، والتعليم، لكن الكثير يؤثر الرحلة إلى الأزهر ليجاور بأروقته. كما كان للتكايا في العهد العثماني بمصر دور مهم في تأمين الإقامة للغرباء بشكل مؤقت خاصة إن كان الضيف صوفيا، فالتكية مركز اجتماع الصوفية لإقامة الأذكار والصلوات ومقر توزيع الطعام على الفقراء. (3) ولكن الصوفية في المحيط الإباضي مرفوضة وخاصة المقترنة بالمنكر، فلم يسكن الجربيون التكايا. وبما أن السكن مطلب هام في حياة المغترب فإن اطمأن في غرفته تحقق له السكن النفسي وأثمرت جهوده، وإلا تأثر إنتاجه لعدم استقراره. فقد أضحت قضية الحصول على مسكن لائق في عصرنا مشكلة تواجه المقتدر فضلا عن طالب العلم الفقير. ومع ارتفاع أسعار الإقامة بالفنادق العادية، والمخاطر التي تواجه الشاب المستقيم وتهدده في عفته وخلقه، يغدو إحياء الوكالة وتخصيص جزء منها لإقامة الطلاب، ومراعاة وضعهم المادي والاجتماعي مسألة نافعة، تحل أزمة السكن، وتحفظ على الشباب أخلاقهم، وذلك تحت إشراف مسؤولين حريصين على تحقيق هدف الواقف أن ينتفع بريع الوقف طالب العلم الحامل لكتاب الله المتمسك بأحكامه. وقد كانت الأروقة، ومساكن البعوث العلمية مزودة بمكتبات زاخرة بالكتب، فيمكن لوقف وكالة الجاموس أن يجمع في هذا المشروع المقترح بين المكتبة والسكن الطلابي في مبنى واحد يقرب الطالب من الكتاب ويحببه في المطالعة وملازمة خير الجلساء، ويدفعه لاستغلال وقته الثمين، فالعمر أقصر من أن ينفد في غير المنافع، وينفق في الهزل.

يجد

لما قامت وكالة الجاموس بإيواء الجربيين والضيوف المغاربة من تجار وحجاج، وجدوا بها الاستقرار، واطمأنوا على أنفسهم، وأموالهم، فما أحوج الغريب في عصرنا أن المأوى النظيف، والآمن الذي يرتاح فيه من وعثاء السفر، وينجو من تلاعب السماسرة، ومن مجاورة أهل الفسق من مرتادي الفنادق، التي تتوافر فيها الخمور وتنتشر فيها الدعارة، ولا يأمن فيها الغريب على نفس، أو مال أو خلق، وليس الأمر خاصا بالمبتعثين للدراسة في أوروبا أو أمريكا أو شرق آسيا، بل حتى إلى الدول العربية والإسلامية. صحيح أن الفتن أقل؛ إذ لا يضطر الطالب أن يعيش في وسط موبوء، وأسرة متحللة، لكن الخطر قائم والاحتياط في تحصين الطالب وضمان ما يساعده على التعفف واجب.

الفصل الخامس: تقويم التجربة الوقفية

فما أحوج طلابنا إلى ما يحفظ عليهم الدين واللغة، والخلق. قال الشيخ إبراهيم بيوض وهو زعيم إباضية ميزاب في القرن العشرين ورئيس مجلس عمي سعيد أعلى هيئة لنظام العزابة، وإمام القرارة حتى وفاته عام 1400 هـ / 1980 م (كنا نبعث بالطلبة إلى تونس، وظلت البعثات متواصلة حتى اشترينا دارا بها سنة 1952 م للطلبة بعدما كانوا يكترون الشقق .. ) (1)

لقد بذل الواقف عناية كبيرة لتوفير بيوت لسكنى الطلبة تضمن الراحة والرفاهية ومواصلة الدراسة براحة نفسية، واطمئنان إلى إيواء مناسب، وألحق بالسكن خزانة كتب تحوي أمهات المراجع في مختلف الفنون وقفا من محبي ا الخير لطلبة العلم الشرعي الشريف وتيسيرا للحصول عليها. إن ضمان السكن لطالب العلم بإنشاء عمارة وقفية مزودة بكل المرافق، سند كبير له من الناحية الاقتصادية، وعامل مساعد على الأمن الاجتماعي، وحافز هائل على التفوق العلمي، والازدهار الحضاري والفضل للوقف، ذلك البناء المتين والجسر الممتد، والمستمر، في تقديم أفضل الخدمات لمستحقيها، وتحقيق الخير للمحتاجين، ويبقى الوقف مستمر العطاء، ولئن تناسى المؤرخون جهود المخلصين من الواقفين للخان والمكتبات والمدارس القرآنية، فإن الله لن ينسى حسن صنيعهم ولن ينقطع الأجر عنهم بعد وفاتهم.

إن إنشاء المدارس والإنفاق على طلبة العلم من أفضل وجوه البر وهو يعدل الجهاد في سبيل الله، يروى عن عبد الله بن المبارك أنه كان يخص أهل العلم بمعروفه فقيل له: لو عممت فقال: إني لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلماء، وإذا اشتغل قلب أحدهم بحاجة لم يتفرغ للعلم ولم يقبل على التعلم، فتخصيص المعروف بأهل العلم أفضل)، لذلك حرص الواقفون الجربيون على توفير البيئة المناسبة للانقطاع إلى التحصيل، والدراسة ورفدوا الحركة العلمية بوكالة الجاموس لتؤدي رسالتها التربوية الرائدة، والمؤثرة، والمثمرة في مختلف طبقات الأمة.

لقد توافدت الأجيال على مدرسة وكالة الجاموس من أجل تحصيل القدوة الحسنة قبل تحصيل المعلومات لأن العلم متوافر في كل مكان لكن نماذج الاقتداء نادرة وعزيزة المنال. فما إن فاز أكثرنا علوما ولكن فاز أسلمنا ضميرا (2)

(1) حمو فخار الشيخ صالح بابكر على درب الأنبياء المطبعة العربية غرداية، ط 1، 2002 م، ص 224.

- Y-

(1) عمر رضا كحالة دراسات اجتماعية في العصور الإسلامية، دمشق، ط 1، 1393 هـ / 1973 م، ص 143. (2) حسان حلاق وعباس صباغ المعجم الجامع في المصطلحات، دار العلم للملايين، بيروت - لبنان، ط 1، 1999 م، ص 93

(2) المصدر نفسه، ص 222.

- 200