الوقف الجربي في مصر
الجزء ١ · صفحة ١٣الوقف الجربي في مصر الاجتهاد الشخصي في اتخاذ الحكم التاريخي، وتعطي صورة واضحة عن الحياة السياسية والإدارية والاقتصادية للمجتمع محل الدراسة كالعثمانيين في مصر. . . لقد سجل الجغرافيون والمؤرخون معلومات عن موقع جزيرة جربة ونشاطها الزراعي وحاصلاتها ومنتجاتها وتجارتها وتطورها العمراني ونشاطها السياسي والمذهبي، مما ساعد على رسم صورة واضحة للجزيرة؛ لكن يبقى تاريخها منقوصا بضياع الكثير من المدونات، وفقد العديد من الكتب التي حوت مواد قيمة عن تاريخ جربة. وكما اتخذ البعض ممن كتب عن جربة موقف الدفاع والتمجيد وهو عمل خليق بالشعراء، فإن المؤرخ يعتمد منهج عرض الحدث ونقده باعتباره عملا بشريا، كذلك بالغ البعض في التهجم على أهلها ووصفهم (بالمفسدين في البر والبحر) (1)، وبأنهم (أصحاب مذاهب ردية وأهواء مضلة … دمرهم الله جميعا) (2)، وهذا من الجدال الأجوف الذي لا يأتي بخير، وهو من التعصب الأعمى والمقيت الذي يرفضه الإسلام وتمجه الدراسات الحديثة، وجمع البعض بين المدح والذم وجاءت إشارته متناقضة: قال التجاني في رحلته عن أهل جربة: (وثياب الجنب عندهم لا يقربها طاهر وثياب الطاهر لا يقربها جنب … ويوجبون على أنفسهم الغسل صباح كل يوم رجالا ونساء أجنبوا أو لم يجنبوا ويتوضئون ثم يتيممون وقد شاهدت هذا. كثيرا. ويشترطون في وضوئهم غسل الأيدي من الأكتاف … ) إلى أن قال: (ولم يصل أحد منهم بهذا الجامع كراهية لإقامة رسم الإسلام بتلك الجزيرة لا خوفا من النصارى كما يزعمون، وأما الجمعة فتركها أصل من أصولهم؛ لأنهم يشترطون في إقامتها وجود الإمام العادل) (3).
منهم
وفي حين ذكر التجاني أن جربة أرض كريمة المزارع عذبة المشارع، لا يقاربها في ثمارها أو يساويها)، يزعم الحسن الوزان الملقب بليون الإفريقي أن … تربة الجزيرة غير خصبة يجب خدمتها وسقيها بماء يستخرج من آبار عميقة؛ ليمكن أن يزرع فيها قليل من الشعير، فينتج عن ذلك نقص كبير في الحبوب، واللحم غال جدا أيضا (4)
أما كتاب (مؤنس الأحبة في أخبار جربة فينسب تأليفه إلى محمد أبو راس الجربي وقد حققه وعلق عليه محمد المرزوقي، وقدم له الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب، وطبع بالمطبعة الرسمية بتونس سنة 1380 هـ / 1960 م، هذا المصدر المهم الذي أفرده مؤلفه
(1) أبو عبيد البكري المغرب في ذكر إفريقيا والمغرب من المسالك والممالك)، ج 2، مكتبة المثنى، بغداد، ط 1، د. ت، ص 760. (2) محمد العبدري الأندلسي: رحلة العبدري، الرباط، ط 1، 1968 م، ص 237.
(3) عبد الله التجاني: رحلة التجاني، نشر كتابة الدولة للمعارف المطبعة الرسمية، تونس، ط 1، 1958 م، ص 123 وما بعدها. (4) الحسن الوزان القاسي (ليون الإفريقي) (ت 957 هـ / 1550 م): وصف إفريقيا، ج 2، طبعة بيروت، 1983 م، ص 94.
المقدمة
الكتابة
لوصف جزيرة جربة فروى تاريخها وترجم لأوليائها لا يستغني عنه باحث ينوي عن الجزيرة، فقد بدأه مصنفه بمقدمة وضع فيها جدولا تاريخيا مختصرا الخلفاء الإسلام من الصحابة إلى العثمانيين وهي غير ذات أهمية.
ثم أتبعها بأربعة فصول: الفصل الأول: في وصف جربة وآثار معالمها القديمة. الفصل الثاني: ترجمة لمن عاش فيها من الأتقياء والعلماء الفصل الثالث: قدم معلومات هامة عن مساجد جربة وأضرحتها وأسواقها بأسمائها. الفصل الرابع: احتلال النورمان الجربة والغارات المسيحية عليها، واسترجاع المسلمين لها، والصراع بين القراصنة الأتراك والأسبان، وختم الكتاب بإحصائية للأوبئة. (1) واعتمد وثائق جربية لم تصلنا؛ لكن أسلوبه متواضع، ينم عن ثقافة عصره حيث عاش في القرن الثاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي.
(2)
ويحيط الشك بمؤلف الكتاب، ففي حين ينسب المرزوقي (3) الكتاب إلى محمد أبو راس الجربي في تحقيقه وتبعه في ذلك محمد محفوظ في كتابه (تراجم المؤلفين التونسيين)؛ لكنه اختلف معه في كون المؤلف جربيا فذكر أنه محمد أبو راس بن أحمد بن ناصر الراشدي الغريسي المعسكري الجزائري (3)، كما يوافقهما في نسبة الكتاب إلى محمد أبو راس، الشيخ محمود مقديش في كتابه (نزهة الأنظار) () حين تعرض للحديث عن أبي راس فقال: أنه وضع كتابه بين 1211 - 1222 هـ / 1796 - 1807 م، وأم وأما الدكتور أبو القاسم سعد الله (ه). - وهو من كبار المحققين في التراث الأدبي الجزائري – فنجده قد وضع ترجمة ضافية لمحمد أبو راس المعسكري الجزائري، واستعرض مؤلفاته فلم يشر إلى أنه ألف کتاب «مؤنس الأحبة»، رغم أنه أثبت مروره على جربة في رحلته إلى الحج. وأما من شكك صراحة في المؤلف ونفى أن يكون محمد أبو راس الناصري صاحب الرحلة ومؤلف كتاب «الإصابة في من دخل المغرب من الصحابة كما نفى نسبته إلى جربة، فهو الشيخ سالم بن يعقوب الجربي) عالم جربة ومؤرخها المحقق والمدقق الذي جزم أن مؤلف الكتاب
!
ط 1، 1993 م ص 321.
(1) أحمد عبد السلام المؤرخون التونسيون في القرون 17 و 18 و 19 م، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون- بيت الحكمة (2) محمد أبوراس الأحبة في أخبار جربة، تحقيق محمد المرزوقي، المطبعة الرسمية، تونس، 1961 م، ص 3. (3) محمد محفوظ تراجم المؤلفين التونسيين، ج 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 2، 1994 م، ص 179. - محمد المرزوقي: قابس جنة الدنيا، مكتبة الخانجي بمصر ومكتبة المثنى ببغداد طبعة القاهرة 1962 - 1968 م، ص 314. (4) محمود مقديش الصفاقسي: نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار، تحقيق علي الزواري محمد محفوظ، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1988 م، ج 1، ص 142.
(5) أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1998 م، ص 387. (6) سالم بن يعقوب: تاريخ جزيرة جربة، دار الجويني، تونس، ط 1، 1986 م، ص 9.
- 19 -
- 18 -