الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ١٤

المقدمة

الوقف الحربي في مصر هو أحمد أبوراس القيرواني الموظف بجربة زمن الباي حمودة باشا الحسيني (1)، فالمؤلف

قيرواني وليس جربيا رغم أن عائلة بوراس موجودة في جربة، وقد ألف الكتاب سنة 1223 هـ / 1808 م، وذكر فيه حميدة بن عياد المتولي على جربة في نفس السنة، وقد وصف الكتاب بأنه يحتوي على أكاذيب تاريخية، ورد على مقدمة حسن حسني عبد الوهاب بأنها تحتوي على زعم باطل عن البربر (). والراجح أن محمد.

بن أحمد بن الناصر الراشدي الغريسي المعسكري المشتهر بلقب (أبو راس) هو من مواليد معسكر بالجزائر، وقد أخذ العلم عن علماء الزيتونة ومنهم إبراهيم الرياحي (3)، ثم ارتحل إلى المشرق مرورا بجزيرة جربة، وأقام بمصر فأخذ عن علماء الأزهر مثل الشيخ المرتضى الزبيدي)، وألف كتابين في شيوخه هما (لب أفياخي في ذكر أشياخي) و (السيف المنتضى فيما رويته بأسانيد المرتضى) (ه).

هو

الأسماء

فالراجح أنه لم يؤلف مؤنس الأحبة كما سبقت الإشارة إلى ذلك، بل واضع الكتاب أحمد أبو راس القيرواني الموظف بجربة زمن الباي حمودة باشا الحسيني؛ لكن تشابه سبب الوهم لدى البعض. ومن هنا تبرز أهمية منهج المعاينة وعدم الاعتماد على النقل والسماع؛ بل توكيد المعلومة بالمشاهدة والاطلاع واستخدام الوثائق؛ بل واعتماد الرحلة للتأكد من صحة الخبر كما يفعل أهل الحديث من سلف الأمة، وهو منهج لازم للمؤرخ والجغرافي وحتى للأديب.

السند.

من

فقد نقد المسعودي (6) الجاحظ (7) في زعمه أن نهر مهران الذي هو نهر النيل بدليل وجود التماسيح فقال: ( .. لست أدري كيف وقع له هذا الدليل؟) ذكر ذلك في كتابه المترجم بكتاب الأمصار وهو كتاب في غاية الغثاثة؛ لأن الرجل لم يسلك البحار، ولا أكثر من

(1) حمودة باشا الحسيني باي تونس من 1777 م (2) سالم بن يعقوب: تاريخ جزيرة جربة

(3) إبراهيم الرياحي فقيه وأديب ورحالة وسياسي وصوفي تيجاني حفظ القرآن بتستور ودرس بالزيتونة على عدة شيوخ ثم درس بها فخرج عديد الطلاب وتولى الإمامة والخطابة بالجامع، وقام بعدة سفارات للحسينيين بالمغرب وتركيا، توفي بالكوليرا في تونس سنة 1266 هـ وله عدة أجوبة وفتاوى وقصائد

(4) المرتضى الزبيدي يمني وفد على مصر 1167 هـ / 1754 م وأقام بها إلى أن توفي 1205 هـ 1791 م، ألف (تاج العروس من شرح جواهر القاموس). (5) أحمد الطويلي: في الحضارة العربية التونسية، دار المعارف، سوسة، تونس، ط 1، 1988 م، ص 125

(6) أبو الحسن علي بن الحسن المسعودي، مؤرخ، ت 346 هـ / له: مروج الذهب ومعادن الجوهر.

(7) الجاحظ، أبو عمرو عثمان بن، بحر، أديب ومعتزلي له عدد من المؤلفات البيان والتبيين، البخلاء، الحيوان، انظر الزركلي، الأعلام،

219/ 5

الأسفار، ولا يعرف المسالك والأمصار؛ وإنما كان حاطب ليل ينقل من كتب الوراقين) (1). أما خليل مردم بك فقد نسب في كتابه (أعيان القرن الثالث عشر في الفكر والسياسة والاجتماع) إلى الشيخ محمد أبو راس الناصري الجزائري كتاب وصف الجزيرة جربة)، وأشار أنه طبع في تونس وترجم للشيخ فقال: إنه من معسكر ولد سنة 1165 هـ / 1751/ 1751 م، ونبغ في ا ورحل إلى تونس والحجاز ومصر، وله قصيدة في فتح وهران وشرحها في كتاب (عجائب الأسفار) وجعل وفاته سنة 1239 هـ / 1823 م 2).

الفقه

وبالنسبة لتاريخ الفرق فكل فرقة تكتب الروايات التي تتناسب مع أهدافها وتتلاءم مع أهوائها (سنة شيعة، خوارج)، وعلى الباحث أن يتحلى بالصبر والأناة، ويكتسب خبرة في فهم النصوص وتحليلها واستقرائها؛ لإزالة الحيرة عند قراءة نصوص متعددة حول حادثة واحدة.

من أهم المصادر التي أفاد منها الباحث منسوخات خريج الوكالة الشيخ سالم بن يعقوب الجربي الذي أمضى خمس سنوات بها يحضر دروس شيوخها، ويتابع بعض الحلقات بالأزهر، ويتفرغ بعدها لنسخ الآثار ونقل المخطوطات من النسخ الأصلية في غالب الأحيان؛ حتى تكونت لديه ثروة عظيمة عاد بها إلى الجزيرة لتصبح نواة لمكتبة ثرية وجامعة لأشهر مؤلفات الإباضية. ومما له صلة مباشرة بالبحث: مخطوط من أصول تاريخ أهل جربة ومجموعة آثار إباضية، ومخطوط أسر جربية بمصر، وقد جمعها في دفتر متوسط وكراريس خاصة بوكالة الجاموس، إلى جانب كتابه المطبوع: تاريخ جزيرة جربة، الذي لا يستغني باحث عنه؛ لما حوى من المعلومات التاريخية. فقد توسع في الحديث عن تاريخ الجزيرة قبل الإسلام، ثم انتقل إلى المدارس والمساجد، والشيوخ الذين أقاموا حضارة مزدهرة في تلك الربوع، وترجم: ا العدد ممن درس بمصر وسكن وكالة الجاموس وذكر آثارهم، وتكتسي هذه المصادر أهمية خاصة؛ نظرا لكون الشيخ جربيا، ومجاورا بالوكالة لمدة طويلة، ونساخا مهتما بالآثار الإباضية، وجامعا لتراجم رجالها، ومقدرا لتراثها وحريصا على حفظه لتستفيد منه الأجيال، مع ما اتصف به من أمانة في النقل ودقة وضبط في النسخ، يضفي على ما خلف من آثار ألوانا من الاطمئنان والثقة بها واعتبارها مصادر أساسية في موضوع البحث. أما عن أسلوب كتابته فهو أقرب إلى الطريقة التقليدية السردية للحدث، التي تركز على منح كم من (1) أبو الحسن علي المسعودي مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج 1، دار الأندلس للطباعة والنشر، بيروت، ط 3، 1401 هـ / 1981 م، ص 37. (2) خليل مردم بك: من أعيان القرن الثالث عشر في الفكر والسياسة والاجتماع لجنة التراث العربي، بيروت، ط 1، 1971 م، ص

153

-21 -

- 20 -