الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ١٧

المقدمة

الوقف الحربي في مصر

النخل الباسقة تتراقص أمام عينيه، يحركها النسيم والبحر حواليها … إنها جزيرة عائمة انتشرت على رقعتها غابات النخيل وبساتين الأشجار المحملة بمختلف الثمار .. حقا إنها جزيرة الأحلام (1).

جغرافية جربة

1 - تسمية الجزيرة:

ومن

تعددت أسماء هذه الجزيرة قديما؛ إذ نجد من يطلق عليها لليبسو la Lypso يسميها جزيرة آكلي النبق ile des lotophages و من يدعوها مننكس (meninx)، لكنها اشتهرت باسم جربة Djerba ، وقد ضبطها ياقوت الحموي: جربة بالفتح ثم السكون والباء موحدة خفيفة، وقد روي فيها جربة بكسر الجيم، وأشار أنها جزيرة بالمغرب من ناحية إفريقية قرب قابس يسكنها البربر، ولها ذكر كثير في كتاب الفتوح (2)، ويرى ابن خلدون أن

جربة سميت باسم فرقة من قبيلة لماية البربرية التي حلت بها ولا تزال تسكنها. (3) ومن أوائل من ذكر جربة في كتب البلدان والرحلات من الجغرافيين والمؤرخين أبو عبيد البكري (ت (487 هـ / 1094 م في كتابه المسالك والممالك» في الجزء المتعلق بشمال إفريقيا المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب)، وأشار إلى وجود الخوارج في جزيرة جربة في أيامه في القرن الخامس الهجري، وقد وصف إفريقيا دون أن تطأها قدمه معتمدا السماع ومكتفيا بالسؤال والاستخبار؛ لكن لا يمكن الاعتماد على هذا الوصف؛ لأن المنهج السليم في وصف البلدان وكتابة التاريخ عند المسلمين الأولين يمضي أبعد من هذه الخطوة الهيئة السهلة؛ فيعاين المشاهد ويتابع الآثار والوقائع على الأرض حيث تمتزج المعاينة بالمعرفة، فتتكون من كل ذلك الحقيقة التاريخية المنشودة، ولا يخفى ما كانت تكلفه المعاينة والمشاهدة أتعاب، ولكن ذلك هو المنهج الأسلم لكتابة التاريخ. قال محمد بن عمر | الواقدي: «ما أدركت رجلا من أبناء الصحابة وأبناء الشهداء ولا مولى لهم إلا سألته: هل سمعت أحدا من

من

أهلك يخبرك عن مشهده وأين قتل؟ فإن أعلمني مضيت إلى الموضع فأعاينه)).

كما ذكر جربة الشريف الإدريسي (ت 548 هـ / 1154 م) في كتابه (نزهة المشتاق في

(1) من مقدمة كتاب محمد أبو راس مؤنس الأحبة في أخبار جربة، م. س، ص 146،145. (2) ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 3، م س، ص 4. (3) عبد الرحمن بن خلدون المقدمة، ج 6، م. س، ص 43.

(4) عبد العليم خضر: المسلمون وكتابة التاريخ، المعهد العالي للفكر الإسلامي، أمريكا، ط 1، 1414 هـ / 1993 م، ص 8.

اختراق الآفاق) (وقد ألفه لروجار ملك صقلية، وقد جال الإدريسي في الأندلس والمغرب ومصر والشام وآسيا الصغرى، وانتهى به المطاف إلى صقلية التي احتلها النصارى النورمان، فاتصل بأميرها روجار المعجب بالعرب وعلومهم، والذي طلب منه أن يؤلف له كتابا في الجغرافية، فوضع له (نزهة المشتاق). ثم ألف لخلفه (غليوم II) كتاب (المسالك والممالك) (1)، ويعد الإدريسي عمدة الجغرافيين المسلمين رغم أنه ألف (نزهته) في بلاط أمير مسيحي. ولعل جزيرة جربة لم يصفها أحد من رجال العصور الوسطى بمثل الدقة التي وصفها بها التجاني التونسي فهو شاهد عيان، حيث قام برحلته بصحبة الأمير أبي يحيى زكرياء بن اللحياني الحفصي الذي عينه مشرفا على رسائله فتفانى في خدمته، وقال عنها: (وجزيرة جربة من أعظم الجزائر خطرا وأشهرها في سالف الزمن عمارة وذكرا … وهي أرض كريمة المزارع عذبة المشارع، وأكثر شجرها النخيل والزيتون والعنب والتين … وتفاحها لا يوجد في بقاع الأرض له نظير؛ لما يوجد بها منه صفاء وجفافا وطيب مذاق وعطارة استنشاق، ورائحته المسافات المديدة والأميال العديدة .. واختصت هذه الجزيرة بحسن الأصواف المحمودة الأوصاف التي ليس بإفريقية لما ينسج من أثوابها نظير .. ) (2)

توجد من

وأوجز الحديث عن جربة ياقوت الحموي (ت 626 هـ/ 1232 م) في معجم البلدان وعرض لفتحها. كما ذكرها العبدري (ق 7 هـ / 628 م) في رحلته، وأورد ليون الإفريقي محمد بن الحسن الوزان (ق 10 هـ / 631) نصا مهما حول جربة، وجاءت الإشارات متضمنة وصف المظاهر الاجتماعية والدينية والاقتصادية في الجزيرة، وبعض الأحداث المستجدة بها عبر القرون.

2 - جربة في التاريخ: تعاقبت على جزيرة جربة العديد من الحضارات، وتعد رحلة «أوليس» البطل اليوناني وزيارته الجربة التي خلدها هوميروس (3) في الأوديسة، أقدم مدنية دخلت الجزيرة. (4)، ثم توالت الحضارات تاركة آثارا واضحة على الأرض والسكان، فقد دخلها الفينيقيون والرومان، وفتحها العرب المسلمون، وحمل عليها النورمان والأسبان وفرسان القديس

ص 26.

(1) جمعة شيخة: قرقنة وجربة من خلال كتب الرحلات المطبعة المغاربية للطباعة والنشر، تونس، ط 1، 1415 هـ / 1993 م، (2) عبد الله محمد التجاني: رحلة التجاني، م. س، ص 122. (3) هوميروس هو: شاعر يوناني مشهور (4) قاسم بلحاج عيسى صفحات من تاريخ جربة، م س، ص 17

- YV-

- 26 -