الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ١٨

الوقف الجربي في مصر

يوحنا القراصنة، فدافعهم الأتراك العثمانيون واستمات أهلها البربر الأمازيغ في الذود عن أرضهم وعرضهم، وما من حضارة لهذه الأمم إلا وامتلكتها عنوة، واتخذتها قاعدة لنشر سلطانها على ما جاورها من الأراضي ((1)، باستثناء جيل الصحابة فقد دخلوها فاتحين الله ويخرجون أهلها من يحملون دين الثروات وبين الفتح وجلب الرحمات

- الفتح الإسلامي لجزيرة جربة:

الظلمات إلى النور، وشتان ما بين الغزو ونهب

بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم لا رحمة للعالمين، يعلم ويزكي، ويحل الطيب ويحرم الخبيث، ويهدي إلى الرشد وينقذ من الغي، فبلغ الرسالة، وأعد جيلا فريدا من الدعاة حملوا أمانة تبليغ دعوته، وضحوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل هداية البشرية.

(3)

(4)

تواصلت الفتوحات الإسلامية في عصر الخلافة الراشدة، واتسعت لتشمل بعد جزيرة العرب والحجاز اليمن والشام والعراق ومصر وفارس، وفي عهد معاوية بن أبي سفيان (40 - 60 هـ / 660 - 679 م) (2) أصبح للمسلمين أسطول بحري ينازل أساطيل الروم في الجزر والسواحل، وقد أرسل معاوية بن حديج السكوني (3) سنة 45 هـ ليفتتح إفريقية فوصل طرابلس وفتحها وخلف واليا عليها الصحابي رويفع بن ثابت (4) بن سكن بن حارثة بن عمرو بن زيد بن عدي من بني النجار الأنصاري الذي شهد بعض الغزوات مع رس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم العديد من المعارك البرية والبحرية لفتح مصر وبرقة وإفريقية وجزيرة جربة التي توجه إليها سنة 47 هـ برفقة الصحابي فضالة: بن عبيد بن. نافذ الأنصاري الأوسي) الذي كان أصغر من بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، ولم يشهد بدرا وشهد ما بعدها، وولي القضاء وإمارة البحر لمعاوية، كما كان ضمن وفد الفاتحين التابعي حنش بن عبد الله الصنعاني (6) الذي روى خطبة رويفع بن ثابت التي ألقاها على جيشه عند فتح جربة، فتركت أثرا قويا في أهل الجزيرة.

(1) المرجع نفسه، ص 25.

(2) معاوية بن أبي سفيان أول خليفة أموي ولد قبل الهجرة بعشرين سنة، الأعلام للزركلي، ج 8/ 172. (3) معاوية بن حديج السكوني صحابي تقلد ولاية مصر ومنها خرج لغزو إفريقية، يعث روبفع إلى جربة بحرا ففتحها، ذهبت عينه يوم دمقلة بالتوبة.

(4) رويفع بن ثابت الأنصاري صحابي شهد خيبر وروى عنها حديثا وهو فاتح جربة سنة 47 هـ ت سنة 51 هـ ودفن في برقة ليبيا. (5) فضالة بن عبيد الأنصاري، صحابي غزا قبرص وتولى القضاء وإمارة البحر بمصر، ودخل إفريقية غازيا مع رويفع، وشارك في فتح جربة عام 47 هات عام 53 هـ. (6) حنش بن عبدالله الصنعاني تابعي من صنعا دمشق، شارك في فتح إفريقيا والأندلس، وكان مع رويفع في فتح جربة، سكن وتوفي بالقيروان 100 هـ.

المقدمة

قال رويفع: شهدت فتح خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول:

(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه زرع غيره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينقض على امرأة من السبي حتى يستبرئها، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبع مغنما حتى يقسم، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها (1) ردها في فيء المسلمين أو يلبس ثوبا حتى! إذا أخلقه رده في فيء المسلمين) (3). ولا تسعف المصادر بتفاصيل هذا الفتح هل تم عن طريق البر بحيث يكون دخول الجيش من جهة الجنوب قبالة القنطرة الرومانية القديمة، أم كان عن طريق البحر، خاصة وقد بدأ المسلمون في استعمال الأسطول البحري منذ فتح قبرص.

والأرجح كما يذكر المؤرخ الجربي سالم بن يعقوب (3) أن فتحها كان عن طريق البر، لأن المسلمين حديثو عهد بطرابلس، ويستبعد أن يتوافر لهم أسطول كاف لحمل عسكر يمكنه التصدي للعدو. (1) كما تسكت المصادر عن سلوك أهل الجزيرة مع الفاتحين هل قاوموهم وهزموا؟ أم سالموهم واعتنقوا دينهم؟ لكن الإشارة إلى خطبة رويفع ترجح أن جربة فتحت عنوة، فجمع السبي والمغنم، وقيام الأمير خطيبا يذكر بمبادئ الإسلام إذا أخذت البلاد عنوة وكيفية معاملة الأسرى، رغم أن سكانها استقبلوا الإسلام بقلوب متشوقة إلى النور الرباني بعد أن لمسوا من الفاتحين ترجمة عملية لما ينادون به من مساواة ورحمة وعدل وعفة، وأخذوا بنبل القيم التي يدعو إليها هذا الدين، وقد أشار الثعالبي أن معاوية بن حديج بعد فتحه ثغر بنزرت أراد أن يتقبض على جربة لصيانة السواحل من مراكب الروم ودفع غاراتهم، فكتب إلى رويفع أن يخرج بالأسطول ليجلي من بها من الروم، فافتكها عنوة من أيديهم، وسهل على المسلمين مراقبة حركة عدوهم في البحر إنسان جربة

(0)

يسكن جزيرة جربة المشهورة بالزيت والزبيب والرطب والتفاح والأكسية الملاح قوم من البربر الذين ارتضوا لأنفسهم اسم الأمازيغ، أي الرجال الأحرار الذين يرتفع نسبهم کنعان إلى مازيغ بن السكان الأصليون لإفريقيا الشمالية والبربر فرعان برانس

و هم

(1) أعجقها: استعملها حتى صارت هزيلة.

(2) سليمان السجستاني: السنن، ج 3، المكتبة العصرية صيدا، كتاب الجهاد، باب من ينتفع من الغنيمة ح رقم 2708، ص 67. (3) الشيخ سالم بن يعقوب مؤرخ جربي درس في تونس ومصر، وسكن الوكالة خمس سنوات، نسخ منها عدة مخطوطات، وعاد (4) سالم بن يعقوب: تاريخ جزيرة جربة، م. س،

إلى جربة مرشداء ت 1988 م.

(5) عبد العزيز الثعالبي: تاريخ شمال إفريقيا من الفتح الإسلامي إلى نهاية الدولة الأغلبية، جمع وتحقيق أحمد بن ميلاد ومحمد إدريس، تقديم ومراجعة حمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي بيروت، لبنان، ط 1، 1407 هـ / 1987 م، ص 42.

- 29 -

- YA-