الوقف الجربي في مصر
الجزء ١ · صفحة ١٩الوقف الجربي في مصر
وبتر، البرانس حضر يسكنون بأراض خصبة، والبتر بدو رحل منهم زناتة ولواتة ونفوسة ومزاتة ومكناسة لم يجد الفاتحون منهم مقاومة كبيرة)، لقد اعتنق سكان جربة الإسلام مثل غيرهم من بربر إفريقية، ولم تسجل حالة ارتداد كما حصل لكثير من سكان الجزر المتناثرة في المتوسط (قبرص، كريت، مالطة صقلية كورسيكا، سردانيا جزر الباليار)، وتوجهوا إلى تعلم العربية لغة القرآن، وإلى خدمة أراضيهم وممارسة تجارتهم التي برعوا فيها، وهم سمر الوجوه حسب الإدريسي (3) ومن قبيلتي زوارة وزواغة؛ بينما يصفهم البعض - بتحامل واضح إن لم نقل بعداء سافر - (بأنهم غدارون شرار لا تؤمن ناحيتهم) و (بأن الشر والنفاق موجودان في ملتهم) (3)، ولأجل ما تواطأ عليه المؤرخون من رومان وعرب وأوربيين) على تسمية سكان إفريقية بكلمة هجينة تعبر عن البدائية والوحشية وهي كلمة (بربر) والتي تستعمل لشهرتها فالأفضل تسميتهم بالأمازيغ.
ومع الفتح الإسلامي للبلاد اختفى مصطلح إفريقيا وحل بدله لفظ المغرب وزال اسم (اللوبيون) وشاع لفظ البربر، وقد كان زمن الفتح ثلاث طوائف يسكنون المغرب: (روم) وأفارقة، وبربر)، فالروم هم البيزنطيون (4)، والأفارقة أخلاط من الناس يسكنون السواحل المحيطة بالمدن والأراضي المزروعة يخدمون الروم ويخضعون لهم، وكانوا زراعا وصناعا، أما البربر فهم السكان الأصليون كما ذكر سابقا، منهم حضر يسكنون النواحي الخصبة والمزروعة وهم (البرانس)، ومنهم بدو رحل يعمرون الصحارى والواحات، ويعيشون على الرعي، ويميلون إلى الإغارة على من جاورهم من العمران وهم (البتر)، وحال الخلاف بينهما دون اتحادهما ويسر على الأجنبي غزوهم، وقد تأثرت طباع البربر باختلاطهم بالمدنيات التي عبرت جزيرتهم، واستفادوا من صناعتهم كالأنسجة الصوفية والأدوات الخزفية وعصر الزيتون، كما نقلوا عنهم زراعة الأشجار المثمرة والحبوب، وتوافرت معهم السفن، ومارسوا التجارة والصيد البحري، ويستنتج من الفتح الإسلامي للمغرب أن العرب اعتبروا الأراضي التي كانت للروم مفتوحة عنوة فاستحلوها، واعتبروا أهلها ومن وجدوه عليها موالي لهم، أما الأراضي التي كانت للبربر فاعتبروها مفتوحة صلحا، فتركوها بيد أصحابها يؤدون عنها المال للدولة واعتبروا البربر أحرارا.
(1) موسى لقبال محاضرة (استراتيجية الفتح العربي الإسلامي في شمال إفريقيا)، من محاضرات الموسم الثقافي (1978/ 77 م)، (2) الإدريسي: نزهة المشتاق، م. س، ص 96.
ص 76.
(3) البكري: المسالك والممالك، م. س، ص 85، والإدريسي: نزهة المشتاق، ص 95.
(4) البيزنطيون إمبراطورية حكمت تونس من 534 - 642 م)، دخلوا جربة وعمروها وازدهرت في عهدهم التجارة والفلاحة، وبقيت الجزيرة تحت حكمهم إلى 47 هـ / 667 م عندها فتحها رويفع بن ثابت الأنصاري.
المقدمة
ورغم أن جربة يسكنها البربر؛ لكنها خضعت للبيزنطيين، فلما تم الفتح عومل أهلها
على أنهم من الروم فجمع منهم السبي والغنائم واختفى العنصر الرومي ولغته، وتعلق البربر بلغة العرب ودينهم، وأقبلوا على اعتناق الإسلام مبكرا وخاصة قبائل: لواتة ونفوسة وزناتة وهوارة من البرانس والماية وزواغة وكتامة من البتر، والتي سكنت بعض بطونها جزيرة جربة، ويظهر من بعض روايات فتح الجزيرة أن بعض أهل البلاد يرحبون بالعرب ويتلقونهم كمخلصين من إساءات الروم، وأن العرب لم يكونوا ينهبون البلاد النهب الذريع). ونتيجة لمكان الجزيرة الاستراتيجي عسكريا واقتصاديا فقد تعرضت عبر التاريخ القديم والوسيط إلى حملات كثيرة وعانى أهلها من محن كبيرة، فقد شن النورمان والأسبان غارات صليبية من أجل احتلال الجزيرة واتخاذها ملجأ ومركزا للقرصنة، كما لعبت الجزيرة دورا اقتصاديا كبيرا في مجال التجارة والسياحة للبلاد التونسية، «لقد كانت جربة صالحة لتتخذ مأوى للغزاة ومشتى لهم وسوقا لبيع غنائمهم وشراء ما يحتاجون من المؤونة والعتاد بفضل ثراء الجزيرة ونشاط سكانها، وميناء آمنا لإرساء سفنهم وتنظيفها وإصلاح المعطوب منها، ومعقلا عند الاقتضاء لقوة شكيمة أهل جربة وعشقهم للحرية واستعدادهم الدائم للجهاد» (2).
بعد استقرار الفاتحين بالجزيرة ورسوخ الإسلام في قلوب السكان، تنافس الجربيون في تشييد المساجد وعمارتها، وعبر القرون اشتهرت جربة بكثرة المساجد في القرى المأهولة وعلى الشواطئ الخفر السواحل حتى عرفت بجزيرة المساجد (3) كانت بيوت الله تمثل رمز الطهارة والاستقامة، ومركز التعبئة والتربية وموضع التثقيف والتعليم، فقد أسست على التقوى، وبنيت من مال حلال وعمرها الدعاة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإشعاع بنشر العلم وإعداد الرجال.
من
فإن «أشد فقر يمكن أن يلحق بالأمة هو الفقر بالرجال، فالأمة تستطيع أن تعالج الفقر في جميع الأمور، أما إذا أصيبت بقحط في الرجال الذين يقودون الأمة فذلك. أدهى المصائب، إن نقصان الروية والحكمة والجرأة الأدبية يؤدي إلى الموت، وإن إفلاس البلاد من الرجال خطر عظيم
(((8)
(1) حسين مؤنس: فتح العرب للمغرب، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط 1، د. ت، ص 125. (2) دائرة المعارف التونسية، كراس (1) 1990 م، فصل، بقلم الطاهر قيقة، ص 31. (3) جمعية صيانة الجزيرة: كتاب (جربة جزيرة المساجد)، ص 4. (4) محب الدين الخطيب: قيادة الأمة، مجلة الزهراء، السنة العدد، جمادى الأولى 1346 ص 177.
-31 -
--