الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٢١

الوقف الجربي في مصر

تمهيد:

الأصل في المال أن يكون متداولا بين الناس يتملكه البعض وينتفع به ويتصرف فيه، ويستهلكه البعض الآخر تحقيقا لمصالحه، وقد ينقل ملكيته عن طريق المعاوضة أو التبرع؛ لكن

عنه -.

ينفرد نوع من المال بالخروج عن قاعدة القابلية للتداول بنقل الملكية والتصرف فيها ويبقى ممتنعا من التصرف في أصله، ومحبوسا على جهة لتستفيد من ريعه - أي النفع الناتج - على سبيل الدوام، وهو ما اصطلح على تسميته في الفقه الإسلامي بالوقف أو الحبس، وقد عرف الناس الوقف منذ القدم، ولعل الكعبة المشرفة أول دار عبادة وقفت، وبظهور الإسلام توسع الوقف ليشمل أغراضا عديدة، فإلى جانب الوقف على المساجد وجد الحبس على المدارس وطلاب العلم وعلى الفقراء، وعلى المرضى وعلى الأهل والذرية، وعلى المجاهدين في الثغور والرباطات. إن مقياس التفاضل في الأعمال هو ما عم نـ نفعه البشرية ولم ينقطع بموت صاحبه، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا النوع من الأعمال الصالحة الدائمة فقال: (إذا مات الانسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له). وليس الوقف سوى صدقة جارية وأجر لا ينقطع، وقد سطر المسلمون روائع حضارية بوقفهم الأموال على مختلف الأوجه، وانبهر الغرب بالحضارة الإسلامية التي حولت ظلامه إلى نور، وتخلفه إلى تقدم، واعترفت صاحبة (شمس العرب تسطع على الغرب) (3) بفضل الإسلام والعرب الواسع على المجتمع الغربي في مختلف المجالات، وقد كان للمدارس والمكتبات الوقفية والبيمارستانات المشافي) والرباطات والوكالات دور أساسي في نجاح المسلمين وتفوقهم وتأثيرهم. في الحضارات الأخرى. والوقف مؤسسة بالغة الأهمية وذات صبغة دائمة توفر الموارد المالية للموقوف عليهم من فقراء، وطلاب علم، وأساتذة ونظار، وتحمي التراث المحبس من المصادرة والتأميم، إنه مورد اقتصادي فاعل يلبي حاجة المسلمين الضرورية والحاجية من إطعام وتعليم ودعوة، ومزاياه كثيرة على جميع الأطراف، فالواقف يرى ثمرة صدقته في حياته فتقر بها عينه، ويحصل له الأجر في حياته، وبعد مماته، وهو وسيلة تكافل اجتماعي فعالة؟، فكم من كافر أسلم، وجاهل تعلم، وطالب توافر له المرجع وكم من مريض عوفي، ويتيم وأسير وأرملة ومسكين جبر قلبه بعوائد الوقف، إنه متاجرة مع الله قال عليه السلام من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا واحتسابا فإن شبعه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة حسنات (3)).

(1) مسلم بن الحجاج النيسابوري: صحيح مسلم، دار ال كتب العلمية، بيروت لبنان، ط 1، 2001 م، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، كتاب الوصية، حديث رقم 1631، ص 638. (2) زيغريد هونگه شمس العرب تسطع على الغرب، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط 6، 1401 هـ / 1981 م، ص 399 (3) أحمد بن حنبل: المسند، ج 2، م. س، ص 374.

الفصل الأول: الوقف في الإسلام ولدى الإباضيين والجربين

المبحث الأول

مشروعية الوقف وأنواعه

عامة الوقف مشروع بنصوص من الكتاب العزيز، وثابت مفصل بالسنة الشريفة وبالإجماع، والقياس، ويعد الوقف المؤسسة الأم التي مولت صناعة الأمة للحضارة الإسلامية، ولم يكن للدولة ولا لخزائنها دور فـ في صناعة أو تمويل هذه الملحمة الحضارية). إن نظام الوقف نبع من فكرة الصدقة الجارية التي لا تقتصر على مجرد إعطاء إحسانات نقدية أو عينية مؤقتة؛ بل تتسع لتشمل ضمانات لنفقة دائمة على الموقوف عليه. المطلب الأول: المعنى اللغوي والاصطلاحي للوقف ودليل مشروعيته

1 - الوقف لغة: الحبس المنع، وفي لسان العرب: حبست أحبس حبسا: وقفت بتشديد القاف، من وقف يقف، يأتي لازما ومصدره وقوف ومتعديا ومصدره وقف، وذكر صاحب القاموس لغة ضعيفة أوقف يوقف وهو خطأ شائع.

2 - اصطلاحا:

مال عن

(هو منع التصرف في رقبة العين التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، وجعل المنفعة التلفظ لجهة من جهات الخير ابتداء وانتهاء (2))، وهو عقد لا. بد من به، ولا يكفي أن ينويه الإنسان في قرارة نفسه دون نطق به، إذ لا يسري بذلك حكم الوقفية؛ فالوقف هو إخراج مطلق الملكية بجعله غير صالح للملكية أصلا فيكون تحريرا، كالعبد تعتقه فيصبح حرا، وكالدار أو الأرض تفكها عن الملكية فتجعلها معبدا أو مشهدا، فلا يصلح أن يعود إلى الملكية أبدا مهما عرضت العوارض واختلفت الطوارئ، إنه إخراج للمال عن الملك بغير عوض مالي؛ بل بقصد الأجر والمثوبة لوجه الله حيث يكون المال باقي العين، فيحبس عينه ويطلق منفعته؛ فالعين على حكم ملك الله والمنفعة يتصدق بها الواقف على جهة بر تعود مصلحته إلى العباد.

(1) محمد عمارة: دور الوقف في النمو الاجتماعي وتلبية حاجات الأمة، ندوة (نحو دور تنموي للوقف)، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت 1993/ 5/3001 م، ص 160. (2) محمد أبو زهرة، محاضرات في الوقف، دار الفكر العربي، القاهرة، ط 1، د. ت، صه.

- TO-

-TE-