الوقف الجربي في مصر
الجزء ١ · صفحة ٢٥الوقف الجربي في مصر
الذرية بخصوص ا النفقة والكسوة، أو أن يصنع الخبز ويقدمه لطلبة العلم.
وبالعودة إلى الوقف على الذرية وتخصيص الذكور دون الإناث فإن هذه المسألة مما اختلف فيها الإباضية مع غيرهم من المذاهب حيث يقول أبو الربيع سليمان الباروني (1) (يقول الأشعرية كلهم أو جمهورهم بأن الوقف بقسميه من الدين ويجب العمل به مطلقا، والإباضية يحرمون وقف الذرية المسمى اليوم بالوقف الأهلي، ولاسيما المتعلق بحرمان الإناث من إرثهن الشرعي و إباضية المشرق لهم في ذلك تفصيل، والجميع لا يرون بأسا في الوقف الخيري المراد به وجه الله خالصا كالمساجد والمدارس والمستشفيات، وغيرها، وللواقف ثواب عمله).
أورد الشيخ إبراهيم بيوض (2) في إحدى فتاواه صراحة منع الوقف على الذرية بأن يعطى الذكور وتحرم الإناث، وأشار إلى أن ذلك يحدث مشاكل لا حصر لها حول من يشملهم الحق، ومن الأولى به، وما ينتج عنه من عداوة ناجمة وخصومة مزمنة وقطيعة للرحم؛ لذلك حكم ببطلان هذا النوع من الحبس، فلو وقف أب دارا مثلا، فإنها تدخل في الثلثين حق الورثة، ويفسخ الوقف على الذكور، وتجعل الدار ميراثا يتقاسمها الجميع بالتراضي؛ لأن الدار ميراث مشاع بينهم على قدر سهامهم، فالحبس باطل لما فيه من حرمان للأنثى، ولأنه لم يعين مرجعا خيريا دائما يؤول إليه الوقف عند انقراض النسل المحبس عليهم.
أما الشيخ السالمي (3) فقد عده نوع مكر لم يقصد به برّ، وإنما قصد به إيثار الولد؛ لذلك فالحبس باطل من أساسه.
وقال بعض أصحابنا: «إذا كان أحد وقف هذا الحبس عليهم، ثم على الفقراء من بعدهم فهو جائز، لتعلق حق الفقراء فيه بالوصية، وللورثة التصرف فيه سوى البيع»)، وقال أبو محمد بن بركة) من أوقف ماله على ورثته لم يجز ذلك له؛ لما رواه أصحابنا عن شريح الله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس على ما وقع عليه سهام كتاب حبس)، وقد ورد أن الرقبة على الوارث لا تثبت، وكذلك الوقف؛ لأنه شبه الوصية. ومن جواب الأزهر محمد بن جعفر: وعن رجل يريد أن يوقف مالا له في قرية على ابنته إلى بلوغها وتزويجها،
(1) أبو الربيع سليمان الباروني: مختصر تاريخ الإباضية، المطابع العالمية، سلطنة عمان، ط 2، د. ت. ص 75
(2) الشيخ إبراهيم بيوض: فتاوى الإمام بيوض، ترتيب بكير محمد الشيخ بلحاج، مكتبة أبي الشعثاء، السيب سلطنة عمان، ط 2،
1411 هـ / 1990 م، ص 555 - 558. (3) عبد الله بن حميد السالمي جوهر النظام، م. س، ص 392.
(4) محمد بن إبراهيم الكندي: بيان الشرع، ج 59 و 60، وزارة التراث والثقافة سلطنة عمان، 1414 هـ / 1994 م.
(0) عبد الله بن بركة الجامع، ج أ 2، تحقيق عيسى الباروني، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، ط 2، د. ت، ص 63.
- ET -
الفصل الأول: الوقف في الإسلام ولدى الإباضيين والجربيين
ثم هو للفقراء قلت: كيف يثبت ذلك؟ فعندي أنه إن أقر أن غلة ماله من موضع كذا وكذا هو لا بنته فلانة إقرارا منه لها بذلك، فعندي أن هذا ثابت إن شاء الله». (1) والوقف على الذرية عموما اختلف فيه كثير من العلماء، فقد ألف فيه الشيخ محمد بخيت المطيعي ردا على علماء الشام القائلين بإلغاء الوقف على الذرية مستندين على قياس الوقف على الوصية. فكما أنه لا) وصية لوارث) (2) فكذلك لا يصح الوقف عليه، وقد تتبع حججهم وفندها، وذكر أن الزبير بن العوام حبس دوره على بنيه لا تباع ولا تورث ولا توهب على ولده وولد ولده، وأن للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضرا بها، فإذا استغنت بزوج فلا حق لها، وختم المطيعي بأن الوقف مثل التركة يؤدي إلى الشحناء بين الورثة إذا كثرت المطامع وقلت المبالاة بحرمة أكل الحقوق عند فساد الزمان، وكما لا يلغى الميراث فلا يبطل الوقف (3).
كما وافق الشيخ محمد زاهد الكوثري المفتي المطيعي في عدم إلغاء الوقف الذري فأشار إلى أن تقسيم الوقف إلى خيري وأهلي اصطلاح حكومي حديث جدا لم ينشف حبره بعد، مأخوذ من اصطلاح دولة المماليك من تقسيم الوقف إلى أهلي وغيره؛ لكن الصدقة الجارية على ذوي الواقف كالصدقة على الغريب في استجلاب الثواب، وليس في الشرع ما يقال له أهلي وخيري تختلف أحكامهما، وإنما الكل خيري، ومن سعى في إلغاء الوقف الأهلي فهو ساع في قطع الخيرين العاجل والآجل في آن واحدة، فأوقاف الصحابة المدونة في كتب السنة غالبها أهلي.
إن إلغاء الوقف والاجتراء عليه مرض خطير ومتفش، تجب معالجته ببصيرة منقذة لا بالمنع من الوقف وحرمان المستحق من ريع الوقف لسفهه، إذ لو جاز ذلك لجرى في الإرث (4).
وبخصوص الرجوع في الحبس يتفق الإباضية مع الجمهور في التفريق بين: - من أوصى بإخراج الوقف بعد وفاته ولم ينفذه في حياته، فهذا له أن يبطله ولا حرج
ولا إثم.
ص 30.
(1) محمد بن إبراهيم الكندي: بيان الشرع، م. س، ج 59، ص 237. (2) سبق تخريج الحديث. (3) محمد المطيعي: المرهفات اليمانية في عنق من قال ببطلان الوقف على الذرية المطبعة السلفية القاهرة، ط 1 13440 م (4) محمد زاهر الكوثري: مقالات الكوثري، نشر المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، ط 1، 1414 هـ / 1994 م، ص 290.
- 43 -