الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٣١

الوقف الجربي في مصر

بن

وبحكم الاستقرار بمصر تمت بين الحاج عمر الجملي وبين الحاج أحمد بن عمر ماليو الجربي معاوضة كتبت بجربة وإثر الرجوع إلى جربة، وقد كانت للأسرة أملاك بمصر، باعها بالنيابة عن أفراد العائلة الموجودين بجربة الإخوان: أبو بكر بن عمر الجملي وسليمان عمر الليني، وتتمثل في أحمد الجملي والحاج محمد بن يحيى الجملي باعوها للحاج. «وكالة كائنة بدرب الرز بطولون» (1)، وهي مندثرة بنيانها متهدم، وأرضها لاتزال معروفة بالوقف المغربي حاليا. وقد كان للواقف نشاط تجاري كبير واستثمار لأمواله في شراء أراض وعقارات وهو ما يعرف بنظام الالتزام (3)، وقد كتب وثيقة الالتزام الشيخان ذاتهما اللذان كتبا وثيقة وقف وكالة الجاموس: الشيخ علي الوزيري، والشيخ عبد الرحيم القلعي. المطلب الثالث: تسمية الوقف وكالة البحار، وكالة الجاموس، وكالة السادة الغوابية

اشتهرت وكالة الجربيين - في حي طولون في مصر - بوكالة البحار، نسبة إلى الواقف الأول: عبد العزيز البحار، مثل ما نسبت وكالة الغوري إلى مؤسسها السلطان الغوري، ومن المعلوم أن الوكالة تأخذ اسمها عادة من نوع التجارة التي تمارس فيها والبضاعة التي تباع فيها وذلك مثل: وكالة الصابون بالجمالية وكالة الكتان ببولاق وكالة البن وكالة السكر بخان الخليلي وكالة الأبزار، ببولاق وكالة الملح، وكالة العجوة، وكالة التفاح، وكالة الخروب، قيسارية العسل، قيسارية الكباش فهل كان الجربيون يتاجرون في الجواميس بوكالة الجاموس؟ من. خلال معاينة مكان الوكالة (3) ومعرفة حدودها يصعب الجزم بأنهم تاجروا في بيع الجاموس؛ لأن ذلك يتطلب مريضا واسعا، لكن إن اقتصر الأمر على جاموسة واحدة حلوب يباع لبنها فليس بمستبعد.

، (0)

سببها والوثائق لا تذكر شيئا عن سبب.، هذه التسمية رغم إسعافها بتفاصيل ضافية عن أسماء التجار) ونوع تجارتهم وتحديد مواضع محلاتهم؛ لكن المستشرق الهولاندي مارتين کوسترس ينقل عن الشيخ سالم بن يعقوب الجربي أنه أجاب شفويا عن سبب تسمية الوكالة بالجاموس أنه كان يخزن ويباع فيها جلود الجواميس (5)، ولا مشاحة في الاصطلاح، وقد غلب العرف على التوثيق، واشتهر هذا الوقف بوكالة الجاموس، أكثر من اشتهارها باسم (وكالة السادة (الغوابية الذي سطر في حجة الوقف 868 للواقف الثاني الخواجا أحمد (1) سالم بن يعقوب من أصول تاريخ أهل جربة (مخطوط بحوزتي كله).

(2) انظر الوثيقة 55 الديوان العالي سجل 1 ص 17 مادة 30 وعبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم: المغاربة في مصر، م. س،

ص 077

(3) زيارة إلى حي طولون بالقاهرة ومشاهدة مبنى وكالة الجاموس في يوليو 2002 م صحبة خالد بن داود الجربي المقيم بمصر. (4) سالم بن يعقوب: من أصول تاريخ أهل جربة م. س أورد قوائم مطولة لأسماء التجار في مختلف التخصصات التجارية. (5) مارتن كوسترس: حركة المطبوعات الإباضية بالقاهرة من 1880 م - 1960 م (بحث غير منشور بحوزتي) ص 19.

الفصل الثاني: وكالة الجاموس: النشأة والتطور، ووثيقة الوقف مصدرا

بن سعيد الجملي)، ويطلق على الوكالة الخان والفندق والقيسارية؛ إذ تلتقي كلها في وظيفة واحدة هي أنها مأوى للتجار الأجانب والقوافل ومخزن للبضاعة، ويعرفها ابن بطوطة بأنها

(بناء شيد من أجل أن يأوي إليه التجار المسافرون أو لنزول القوافل بها مدة معلومة، ويتكون تخطيطها المعماري من صحن أوسط شغلت واجهاته الأربع بحجرات متطابقة خصصت فيها الأدوار الأرضية لعرض وبيع وتخزين المنتجات؛ بينما خصصت الأدوار العليا للإقامة)). ويطلق عليها البعض (القيسارية) لأنها مسقوفة بحيث يستمر نشاطها طيلة العام فلا يعوق الشمس صيفا ولا البرد. ركة النشاط التجاري فيها، وهي مركز تجاري مهم: حر فيه الصفقات لبيع الجملة، وفي دورها الأول غرف يستأجرها الوافد للمبيت، وتتضمن مخازن لحفظ السلع حتى تصرّف.

شتاء

المطلب الرابع: مكان الوقف

تعقد

اختار المغاربة حي طولون لإقامتهم وسوقه لتجارتهم، وعمروا المسجد الكبير المنسوب إلى أبي العباس أحمد بن طولون، وهو من الجوامع العتيقة الأنيقة الواسعة، والذي جعله السلطان صلاح الدين مأوى للغرباء من المغاربة يسكنونه ويحلقون فيه، وأجرى عليهم الأرزاق فتفرغوا للعلم والعبادة وابتغاء فضل الله. واستمر الأحفاد على الإقامة بحي طولون، فجاوروا المسجد اقتداء بأجدادهم، واختار الجربيون موضعا لا يبعد عن المسجد فأقاموا مبنى الوكالة عليه، وفتحوا دكاكين تجارتهم في سوق طولون ونعموا بالعافية.

ويتعرض نص الوثيقة إلى مكان الوقف فيحدده بدقة من الجهات الأربع، فيشير إلى تغير اسم الوكالة بعد أن كانت معروفة سابقا بوكالة الجاموس أصبحت تعرف بوكالة السادة الغوابية، ثم وكأنه ير خريطة الموقع الوكالة فيحدد الحي، والسوق والخط، والزقاق ويصف المبنى بواجهته وحجارته وأبوابه وسقفه و دهليزه وحمامه وحوشه والسلم والحنفية والدورين العلوي والسفلي وكل المرافق والمنافع واللواحق ويذكر الجيران من كل جهة.

يرسم.

ثم تعرض الوثيقة بعد ذلك الحدود الوكالة فتضبط بالتحديد مكان وجودها: إنها في ظاهر القاهرة المحروسة، وبخط طولون قريبا من مسجد أحمد بن طولون، في زقاق غير نافذ عرف سابقا بالمغربل ويعرف حاليا بدرب الأطفحي، يطل على بناية مواجهة للوكالة من

ناحية الشمال مبنية بحجارة منحوتة.

المطلب الخامس: أهداف الوقف

قصد الواقفان الأول والثاني جمع شمل الجالية الجربية في مهجرها بالقاهرة المحروسة،

(1) محمد بن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، ج 2، دار صادر، بيروت، ط 1، 1384 هـ / 1964 م، ص 232.

-00 -

- 02 -