الوقف الجربي في مصر
الجزء ١ · صفحة ٣٢الوقف الجربي في مصر
واحتضان الوافد الجديد ومد يد المساعدة له في أيامه الأولى حتى تستقر أوضاعه، ويستأنس، وحتى يحافظ على كيانه، ويطمئن إلى إخوانه فلا يذوب في المجتمع المصري، ولا يتخلى عن قيمه وخصائصه؛ لذلك خص الواقف الخواجا أحمد بن سعيد الجملي في وثيقة وقفه الموقوف عليهم، فذكر أنه وقف وكالته على كل من:
السادة (ولقب سيّد في المغرب يطلق على كل شخص محترم ولا علاقة له بشرف العائلة أو عراقة نسب كما في بعض الأماكن مثل سلطنة عمان).
وهم
- المغاربة: وهو مصطلح يطلق على إباضية المغرب دون غيرهم وفق مقصد الواقف، الذين يسكنون جربة بتونس، وجبل نفوسة بليبيا، ووادي ميزاب بالجزائر، أما كاتب الوثيقة فلا يميز بين مغربي مالكي وآخر إباضي. أما في بيروت فيطلق مصطلح المغاربة على كل من هو من المغرب العربي الكبير وكان يوجد بها: (جبانة المغاربة، زاوية المغاربة سوق المغاربة .. ).
- الطلبة الذين يدرسون بالجامع الأزهر الشريف، أو بالمدرسة الإباضية بوكالة الجاموس في شكل حلقات غير نظامية؛ إذ الغالب على الوافدين إلى القاهرة من إباضية جربة في ذلك الوقت لم يكونوا طلابا منتظمين؛ بل كانوا يتخيرون بعض المواد يحضرونها بالأزهر، ويدرسون مع شيوخ الوكالة: الفقه والعقيدة وتاريخ المذهب الإباضي"
(1)
- الحفظة لكتاب الله الحاملون للقرآن والحافظون له في الصدور، والعاملون به والمطبقون لأوامره والمجتنبون لنواهيه، وهي ميزة كان المغاربة الجربيون متمسكين بها حيث يتوافر بمصر عديد القراء، ويتفرّغ الطالب في دار الغربة لحفظ القرآن؛ بينما تشكو الجزيرة نقصا في الحفاظ والقراء، لذلك يرسل الأولياء أبناءهم إلى الخارج ليعودوا متوجين بحفظ كتاب الله.
- القاطنين بالوكالة: ورد في وصف الوكالة أن بها دورا أرضيا مخصصا للتجار وتخزين البضائع، ودورا علويا كان مخصصا لسكنى التجار والطلاب المقيمين بالوكالة، وقد وقف الحاج الجملي هذه الوكالة على هؤلاء الطلاب نظير شرط بسيط وسهل التحقيق ويتمثل في تلاوة الطلبة في كل ليلة من شهر رمضان من كل سنة هجرية نصف القرآن بحيث يختمونه كل ليلتين، وبعد الانتهاء يدعون الله بأسمائه الحسنى أن يوصل ثواب قراءتهم للنبي الأمي صلى الله عليه وسلم وآله الأبرار وصحابته الأخيار والتابعين بإحسان.
(1) عادة للمغاربة سواء في الزيتونة بتونس أو الأزهر بمصر.
الفصل الثاني: وكالة الجاموس: النشأة والتطور، ووثيقة الوقف مصدرا
المبحث الثاني
تطور وكالة الجاموس وهيئاتها المطلب الأول: التطوّر عبر القرون
1 - الوكالة في الفترة من: 900 - 950 هـ / 1494 - 1543 م: سبقت تأسيس الوكالة في القرن الحادي عشر الهجري هجرات جربية على مستوى فردي منذ القرن العاشر الهجري، فمن أول الجربيين من تشير المصادر إلى سفره من أبناء الجزيرة طلبا للعلم بمصر المحروسة: الشيخ سعيد بن عبد الله الجادوي في الفترة من 900 هـ إلى 950 هـ / 1494 - 1543 م، وأصل عائلته من مدينة جادو بليبيا؛ لكنه ولد بآجيم جربة واستقر بها، ثم رحل في طلب العلم إلى مصر التي قضي فيها ثلاثين عاما، وأخذ عن عدد من العلماء والشيوخ أشهرهم الإمام جلال الدين السيوطي (1)، ثم عاد إلى جزيرة جربة فاستقر بقرية آجيم، ولا يزال بيت الأسرة قائما إلى الآن قرب مسجد (ليمس)، وشارك في تخريج عدد من الرجال اشتهروا بالتفوق العلمي، وتحملوا مسؤوليات سياسية في عهد الدايات وتقلدوا خططا علمية سامية، (2).
، (1)
كما تذكر المصادر رحلة فردية للشيخ أبي الربيع سليمان بن عبد الله المداني البازيمي الشهير بالجربي الذي ولد بقرية بازيم من جزيرة جربة وبدأ دراسته بها، ثم انتقل إلى جامع الزيتونة المعمور بتونس وتوجه إلى مصر سنة 916 هـ / 1510 م، بعد أن غدت القاهرة قبلة يؤمها طلاب العلم من مختلف الأقطار، فتوجه ليدرس هناك، وينهل من العلوم العقلية والنقلية ويأخذ عن الشيخ أبي الحسن علي بن إبراهيم الكيلاني المصري في مدرسة الجيعانية بشاطئ بحر النيل ببولاق من أعمال مصر المحروسة، حيث تخصص في العلوم العقلية وبرز في المنطق، وله شرح على متن إيساغوجي للشيخ أثير الدين الأبهري معتمد في جامع الزيتونة لقيمته العلمية، وقد اشتهر بشرح سليمان الجربي، وتوجد منه نسخ في مكتبات جربة ووادي ميزاب كما ا يوجد مخطوط من تأليفه بعنوان (حاشية جمع الجوامع) بمكتبة بن يسجن في وادي ميزاب (3).
(1) جلال الدين السيوطي: (849 - 911 هـ) نشأ يتيما وحفظ القرآن ابن ثمان سنوات درس على عدة شيوخ ونبغ في فنون شتى، و خلف آثارا كثيرة وعدة تلاميذ، دفن بقوصون القاهرة.
(2) مجموعة باحثين معجم أعلام الإباضية ترجمة 395، ج 3 ص 369. وسليمان الجادوي، الفوائد الجمة من منتخبات مرشد
الأمة، ص 778
(3) مجموعة باحثين، معجم أعلام الإباضية ج 3، ص 424، ترجمة.454 وفهرس آل خالد 451. وسليمان المداني شرح متن
إيساغوجي، ص 2 و 3.
- OV -
-07 -
:
1