الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٣٨

الوقف الجربي في مصر الإباضي ومقارنا، كما شمل منهج الدراسة مواد اللغة العربية (نحو وصرف وبلاغة وأدب) والميراث والمنطق، وسيرد ذلك مفصلا في مبحث لاحق.

3 - المكتبة:

قد لا تسعف المصادر بأسماء محددة لهيئة الإشراف على المكتبة طيلة فترة نشاط الوكالة، لكنها أسهبت في تعداد أسماء الواقفين للكتب من العلماء والأغنياء، من شتى الأماكن وفي القرون الأربعة التي عاشتها الوكالة.

كما ذكرت المصادر عددا من النساخ الذين دعموا خزانة المكتبة بمخطوطات نادرة ونفيسة، وحافظوا على بعضها من التآكل والضياع، وتحقق بتضافر جهود النساخ والشيوخ تأسيس مكتبة ثرية بالمراجع الهامة خاصة المتعلقة بالإباضية، ولعل الله ييسر إعادة بعث مكتبة وقفية تحفظ المخطوطات والكتب، وتجدد العهد مع النساخ الذين مكنوا طلاب الوكالة من الاستفادة من المكتبة لأربعة قرون.

4 - السكن:

تمثل مسألة الحصول على سكن مريح وقريب من الأزهر بالنسبة للطلبة معضلة في مدينة مثل القاهرة منذ القرن العاشر، لذلك تأسست الأروقة حول الأزهر لضمان إيواء طلابه، وأسوة ببقية الجاليات كان للجربيين مقر يأوون إليه ويطمئنون فيه على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فتولى النظار والشيوخ تنظيم السكنى لطلاب الوكالة، وتمكين المارين على القاهرة من حجيج أو تجار من التزود بما يحتاجونه، وأخذ نصيب من الراحة قبل مواصلة المشوار فوسعت غرف الوكالة الطلاب والضيوف. (1) (سَمّ الخياط مع الأحباب ميدان) هذه أهم الهيئات التي أدارت وكالة الجاموس بكل اقتدار، وأخلصت في أداء دورها، وهي ككل جهد بشري حالفها التوفيق في بعض المراحل والأعمال، وجانبت الصواب في تصرفات وفترات أخرى. والمهم أن غاية الجميع من نظار ومدرسين وأمناء المكتبة ومشرفي السكن هي مرضاة الباري سبحانه ونفع الأمة، والنجاح نسبي عند الحكم على التجربة وأداء هيئاتها، ويكفي السلف فخرا أنهم تركوا آثارا من علوم بثوها وكتب نسخوها وحفظوها في خزانات شاءت إرادة الله أن تبقى ويستفيد منها الأحفاد وأحفاد الأحفاد، وترجموا أفكارهم في وجوب التجمع في ديار الغربة إلى فعل تجسد في وقف وكالة الجاموس التي آوت وخرجت العديد من الإطارات والكفاءات ..

(1) وسيأتي الحديث لاحقا عن المكتبة والسكن.

الفصل الثاني: وكالة الجاموس النشأة والتطور، ووثيقة الوقف مصدرا

المبحث الثالث

وثيقة الوقف (دراسة تحليلية)

كثر اهتمام الباحثين مؤخرا بالوثائق الوقفية كمصدر للتعرف على مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمدينة ما أو مجتمع، وهو اعتراف وتأكيد للدور الأساسي الذي نهضت به الأوقاف خاصة في العهد العثماني لمختلف الجاليات في شتى

المناطق.

وقد كان للجربيين - أسوة بالجاليات المغربية في مصر المحروسة- وقف عريق يسر استقرارهم بالقاهرة لطلب العلم وممارسة التجارة. سيما وأن المجتمع في حاجة إلى أنشطة وخدمات من تعليم وصحة وثقافة وعمران وتجارة وصناعة وزراعة، وهي من صلب مهام الدولة في عصرنا، لكن في عهد الدولة العثمانية من القرن العاشر الهجري (923 هـ / 1539 م) إلى آخر أيام حكمها لمصر (1266 هـ (1882 م) - وإن ظل حكمها اسميا إلى ما بعد ذلك بكثير، كانت الدولة مسؤولة عن بسط الأمن في الداخل، والقيام بجمع الضرائب والاعتماد على الجيش في توسيع الدولة أو رد الهجمات الاستعمارية خاصة على سواحل المتوسط، وقد تركت هذه الأنشطة والخدمات للمبادرات الفردية، فاندرج أكثرها تحت مؤسسة الوقف: فالمدرسة والكتاب والمكتبة، والمسجد والرباط والتكية، والخانقاه، والوكالة والخان والعمارة السكنية، والبيمارستان والأرض الزراعية وماء السبيل كل ذلك أنشئ وشيّد وأقيم لسدّ حاجة المجتمع، وذلك بهمة التجار الذين آثروا ما عند الله، وأوقفوا أموالهم في سبيله، لتعمر بيوت الله ويعمّ التعليم والرخاء والصحة كافة الطبقات)، وقد حفلت وثائق الوقف بما يؤكد تنوع ممارسات التبرع والتسبيل مما خفف عن الدولة الكثير من المسؤوليات والأعباء في تأسيس المنشآت والإنفاق عليها.

والمتصفح لسجلات المحاكم الشرعية يعجب للكمّ الهائل من الوثائق التي رصدت أنشطة المغاربة؛ إذ تعرضت لعقود الزواج والطلاق وللعقود التجارية من بيع وشراء ورهن، ولقسمة التركات ولإنهاء المنازعات وخاصة لأوقاف المغاربة لبعض العقارات والأراضي على أوجه البر وعلى طلبة العلم برواق المغاربة بالأزهر وغيره. وبحكم ممارسة الجربيين للحرفة المحببة لديهم - وهي التجارة بسوق طولون (1) وما حوله فقد تركزت أنشطتهم هناك، وسجلوا أملاكهم وأوقافهم بمحكمة طولون الشرعية، وقد حفظت لنا سجلات هذه

(1) موقع السوق الآن بمصر القديمة بالقاهرة، قرب مسجد سيدنا الحسين.

-79 -

- 68 -

1: