الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٤٥

الوقف الجربي في مصر فتضيع بعض الأوقاف وتندثر بسبب تلك المشاكل وغيرها.

2 الأربعة الأئمة المجتهدون

جرت عادة كتاب الوثائق والمشايخ إثر ختم القرآن أن يهدوا ثواب التلاوة إلى روح النبي صلى الله عليه وسلم وآله وصحابته والتابعين ويخص بعضهم أئمة المذاهب الأربعة أبا حنيفة ومالكا، والشافعي وأحمد) ويعم البعض عباد الله الصالحين. وهذا التخصيص صادر من الكاتب وليس من إملاء الواقف، وهو مما جرت به عادة التوثيق، وسبق به قلم المدوّن إذ لو كان الأمر صادرا من قبل الواقف لبدأ بإمام مذهبه (جابر بن زيد)، لكن الأمر غير مقصود. ومثلما ورد في الوثيقة .... وسائر أموات المسلمين على العادة في ذلك مجرى الحال في ذلك كذلك) (1). فالترحم يشمل عموم موتى المسلمين دون تخصيص، كما جرت العادة في الأدعية لدى أتباع كل مذهب.

الحاكم الشرعي الحنفي:

يوجد في مصر العثمانية حكام وقضاة شرعيون متعدد و المذاهب، فمنهم التابع للخلافة العثمانية ويكون حنفي المذهب، وعادة ما يقدم في الرتبة على غيره، ومنهم الشافعي والمالكي والحنبلي. وللمتعامل أن يختار الحاكم أو القاضي الذي يرغب في توثيق معاملته عنده، وقد يوثق العقد عند المالكي بداية كما هو الحال في هذه الوثيقة، ثم تحول لتوقيعها من طرف الحاكم الشرعي الحنفي لتصبح نافذة.

- الشيخ عبد الرحيم القلعي والشيخ علي الوزيري

هما كاتبان للوثائق تعاملا كثيرا مع أوقاف المغاربة وذلك في محكمة طولون خاصة، وقد يجتمعان في بعض الوثائق وقد ينفرد أحدهما، أو يشترك كاتب آخر. وبالإطلاع مع على سجلات محكمة طولون في القرن الثاني عشر الهجري يلاحظ كثرة الوثائق المدونة من طرفيهما أو أحدهما والمتعلقة خاصة بأوقاف المغاربة من 1140 هـ / 1756 م إلى 1200 هـ / 1816 م، فهما اللذان دونا وثيقة التزام الواقف أحمد الجملي لحصص بالجيزة، وغيرها من الوثائق (2). وبذكرهما تختم سلسلة الشخصيات الواردة في الوثيقة الوقفية.

(2)

(1) انظر: وثيقة الوقف ص 83

(2) انظر: سجل الديوان العالي (1) ص (17) مادة (30).

الفصل الثاني: وكالة الجاموس النشأة والتطور، وثيقة الوقف مصدرا

ثانيا - تحليل الوثيقة يتضح من خلال ترجمة الواقف، والشهود، ومستحقي الوقف الموقوف عليهم) أنهم شاركوا في استمرار التجربة الوقفية في عطائها، حيث كانت وكالة الجاموس من وقف أسرة البحار كما تتفق على ذلك جل المصادر (1)، ثم أصبحت تسمى وكالة السادة الغوابية في وقف أسرة الجملي.

وقد جرت العادة أن تستهل وثيقة الوقف بديباجة تمهيدية لنص الحجة بعد البسملة والحمد والثناء على الله والصلاة على رسوله ومدحه، ثم الإشارة إلى عزم الواقف الاقتداء بالسلف في بذل الصدقة الجارية، وبعد الديباجة يأتي التوثيق بإثبات تاريخ تحرير الحجة، باليوم، والشهر، والسنة، وتحديد المحكمة الشرعية واسم القاضي ومذهبه ونسب الواقف وطائفته ومهنته ومحل إقامته وصلة المستحق به ومقدار الاستحقاق في الريع. إن الوقفية صك يكتب فيه الواقف عقد وقفه، ولا تتوقف صحة الحبس على كتابة صك التحبيس، لأنه عقد يتم باللفظ لكن جرت العادة أن يكتب؛ لأنه أحفظ للوقف وأمنع للتغيير في العقار والشروط. (2) فإذا سجلت الوثيقة في المحكمة بأمر القاضي أصبحت صحيحة ثابتة وحجة لازمة معتبرة، ولا تخلو وثيقة وقف من ذكر لمجلس الإشهاد مع أن الشهادة ليست شرطا لصحة الوقف شرعا، فتنص الحجة على أسماء الشهود الذين حضروا تحرير الحجة فلا يقل عددهم عن اثنين، ويكونان غالبا من أقارب الواقف أو معارفه من الأعيان، كما تعرض الوثيقة إلى أعيان الوقف، وتحدد العقار محل الوقف مع وصفه بدقة وبيان تفصيلي، ثم تنص الحجة على أغراض الواقف وتوضح المصارف والمستحقين ومدة الانتفاع. وتتضمن الوثيقة شروط الواقف حيث يفصح عن أهدافه وخطته في تسيير الوقف في حياته، وبعد وفاته، وقد يضع شروطا للناظر، ولتوزيع غلة الوقف. وككل عمل توثيقي تختم الحجة بالتأكيد على انبرام الوقف، ولزومه والتحذير من تغييره، أو انتهاك حرمته، ثم يبصم الواقف أو يوقع ويطلب من وكيله وشهوده ومحرر الحجة ومن القاضي التوقيع وتصبح الحجة ذات آثار ملزمة في مواجهة الغير. وهذا يقتضي تتبع الوقفية لتحليلها واستنتاج مدى تأثير الوكالة في التنمية الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية للجالية الإباضية بمصر، وما دور الواقفين والعلماء في مرتادي الوكالة والقاطنين بها سلبا وإيجابا. عرفتنا الوثيقة في البداية بأن التسجيل تمّ لدى القاضي المالكي، وكما سبقت الإشارة

(1) سالم بن يعقوب: تاريخ جربة، م. س، ص 128. و الجعبيري، نظام العزابة ص 258. و وثيقة الوقف 868، ص 81 وما بعدها. (2) مصطفى الزرقاء: أحكام الأوقاف، م. س، ص 126.

- AY-

-AY-

!