الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٥١

الوقف الحربي في مصر

المبحث الأول التنمية الاجتماعية

كان المجتمع المصري في عهد الدولة المملوكية والعثمانية مجتمعا طبقيا) يتكون من: 1 - الطبقة الحاكمة تتمثل في أقلية أرستقراطية منعزلة عن الشعب تتقاسم المناصب بينها (مماليك، أتراك)، وتمتاز هذه الطبقة بالصرامة والاستعلاء، وبارتفاع مستواها المعيشي، كما تدل على ذلك ملابسها وقصورها ويغلب على سلوكها هي وحاشينها ظواهر منحرفة، ويطلق عليها الناس الأعيان والأمراء والأكابر، ولم تكتف هذه الطبقة بالسلطة؛ بل مارست العمل التجاري والالتزامات في الأراضي الزراعية، فازدادت تفوقا ماديا على عامة الشعب.

2 - الطبقة العامة: تمثلها الأكثرية وتتكون من: أ - مجتمع ريفي يعمل بالزراعة تفرض عليه الضرائب من الجند، ويتعرض للسرقة من العربان الذين لم تسلم منهم حتى قوافل التجار ومحامل الحجيج، ويعاني من الظلم والتهميش حتى أصبحت كلمة فلاح تعني: (خادم).

ب - مجتمع مدني يتكون من فئات وطوائف، لكل طائفة شيخها ووكيلها وتذكر وثائق المحاكم الشرعية أن الطوائف لم تكن منغلقة على نفسها؛ بل تتم بينها عمليات المصاهرة والاندماج مع أهل القاهرة مع المحافظة على العادات والتقاليد لكل

طائفة.

ومن أهم الفئات حسب الحرفة طائفة التجار، والحدادين، والنجارين. ووفق الجالية طائفة المغاربة، طائفة الشوام، طائفة الأتراك.

وإلى جانب طائفة التجار في المدينة استطاع العلماء أن يحتلوا مكانة محترمة في مجتمعهم، وقد كان القرن الثاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي عصر سيطرة الأعيان في المدينة، فرغم أن العسكريين احتكروا النصيب الأوفر من النفوذ والثروة، والأملاك، فقد أصبح للعلماء تأثير في الناس أكثر من الحكام أحيانا، وملكوا الدور والقصور، وتفانوا في العطاء، والتدريس، وتربية من يرتاد حلقاتهم.

(1) أحمد شلبي بن عبد الغني: أوضح الإشارات فيمن تولى مصر القاهرة من الوزراء والباشات الملقب بالتاريخ العيني، تحقيق: عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم دار المكتاب الجامعي، القاهرة، ط 2، 1995 م. ص 14 وما بعدها.

الرحلة

الفصل الثالث: دور وقف وكالة الجاموس في التنمية الاجتماعية والاقتصادية

فقد

ومثلما تبنى علماء الحديث الرحلة في طلب العلم إذ جعلوا الهدف السامي من هو الحصول على علو الإسناد، وقدم السماع ولقاء الحفاظ والمذاكرة معهم، حرص نظام العزابة بجربة على هذا التقليد العلمي ومارس العلماء الانتقال الرأس إلى مركز فكري شاع ذكره لتبادل الخبرة، والمعرفة واتساع الأفق.

من

مسقط

فنجد مثلا مؤسس نظام العزابة محمد بن بكر ينتقل من جربة إلى آريغ بالجنوب الجزائري، وأبا عمار عبد الكافي (1) من وارجلان بالجزائر إلى تونس، والمحشي أبا ستة (2) من جربة إلى القاهرة. (3)

وقد كثر اتصال المغاربة بالمشرق وتوطدت علاقاتهم بالأزهر، ومما يؤكد ذلك تراجم علمائهم الذين رحلوا لطلب العلم بل والاستقرار بمصر، والزواج بها، وقد نشأت على مر العصور جالية مترابطة متكافلة كان لوقف الوكالة دور أساسي في تمتين علاقات أفرادها وتنميتها، وتوافد على القاهرة - المدينة الإسلامية ذات الثقل التاريخي والثقافي والحضاري، واجتمع فيها من المشرق والمغرب علماء وطلاب ينهلون من أهم معلم بها الأزهر الشريف، وكثرت فيها الأوقاف من مدارس ومساجد، وأسبلة، وأسواق ووكالات تضج بالوافدين من كل صوب ويلتقي أفراد كل منطقة في موضع متعارف عليه بينهم، والجربيون كغيرهم المغاربة ظلوا حريصين على ربط الصلة بالمشرق؛ بل ويعدون الرحلة لطلب العلم أو للحج أو للتجارة شرطا للتبحر في العلم وتحقيق الربح، وكان خط الرحلة الذي يسلكونه بين جزيرتهم ومصر بريا وبحريا، فقد كانت السفن تقلع بالركاب من المغرب (إفريقية) إلى الإسكندرية.

من

أما برا فقد سهلت مراكز الضيافة الزوايا والربط) أعباء السفر؛ لأنها منتشرة على طول الطريق الموصل إلى القاهرة ومكة المكرمة، وقد ازداد نشاط الطرق التجارية بكثرة القوافل السالكة طول السنة ورحلات الحج الموسمية، كما غامر بعض طلاب العلم بالسفر منفردين أو في مجموعة صغيرة كما فعل الشيخ عمرو بن رمضان التلاتي في القرن الثاني عشر الهجري والشيخ محمد علي دبوز في القرن الرابع عشر الهجري).

(1)

(1) أبو عمار عبد الكافي ولد بتناوت وطلب العلم بتونس واستقر بوارجلان وتفرغ للتدريس والتأليف، ت 570 هـ، له الموجز وشرح الجهالات، انظر معجم أعلام الإباضية ترجمة رقم 562 مجلد 3، ص 539. والجعبيري، البعد الحضاري، ص 119. (2) محمد بن عمر بن أبي ستة المحشي، ت 1088 هـ انظر معجم أعلام الإباضية ترجمة رقم 841، مجلد 4، ص 815. (3) محمد بن بكر الفرسطائي مؤسس نظام العزابة، انظر معجم أعلام الإباضية ترجمة رقم 803، مجلد 4، ص 0772 والجعبيري، نظام العزابة ص 31. (4) ذكر الشيخ سالم يعقوب أن الثلاثي سافر مع أسرة الغول إلى مصر دون إذن أهله حتى لا لا ممتع. وانظر الجعبيري، البعد الحضاري، مرجع سابق، ص 160.

(5) محمد ناصر: دبوز والمنهج الإسلامي لكتابة التاريخ، دار البعث، قسنطينة، الجزائر، ط 1، 1994 م، ص 9.

- 98 -