الوقف الجربي في مصر ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجريين (وكالة الجاموس نموذجا) أحمد بن مهني بن سعيد مصلح

الوقف الجربي في مصر

الجزء ١ · صفحة ٥٢

الوقف الجربي في من

المبحث الثاني

مظاهر تحقيق الوقف للتنمية الاجتماعية

ومن أهم مظاهر تحقيق التنمية الاجتماعية من طرف مؤسسة وقف وكالة الجاموس ما يأتي:

المطلب الأول: نشر التعليم بين المحرومين

ورفع مستواهم الاجتماعي، وخفض نسبة الأمية بينهم، فقد كان لوقف وكالة الجاموس الفضل الكبير والرائد في إيواء واحتضان كل جربي أو إباضي وافد على مصر، واستضافته في الأيام الأولى من وصوله ومساعدته على الاستقرار، فإذا جاء لطلب العلم فيسلم للهيئة التربوية بالوكالة الناظر، أحد مدرسي الوكالة أحد قدامى الطلبة) ليعرفه بمدرسة الوكالة، وبالأزهر، وبرواق المغاربة فيه، ويترك له الخيار في تقرير مصيره: هل يسجل بالأزهر كطالب منتظم في الدراسة، أو يحضر بعض الدروس فقط، أو يلتزم بحضور دروس مشايخ الإباضية بالوكالة؛ ليتفقه على أصول المذهب.

المطلب الثاني: توفير فرص عمل للمحتاجين

وتقليل نسب البطالة بإقامة مشاريع استثمارية تشغل نسبة من العاطلين، ويعود ريعها عليهم؛ لأن البطالة. سبب معاناة الفقراء والمعوزين، فإن كان الوافد تاجرا يؤخذ من طرف شيخ طائفة التجار أو أحد زملائه القدامى إلى الأسواق ليطلع على.، سير الحركة، ويختار نوع التجارة التي يرغب في ممارستها، ويلقى المساعدة من الجميع لكراء الحانوت، والانطلاق برأس مال (من القرض الحسن) لفتح دكانه والتوكل على الله للاكتساب.

المطلب الثالث: تيسير أداء فريضة الحج

وذلك بتسيرها على المستقيمين ممن يواجه مشاكل مادية أو نفسية في الغربة: فإن كان القادم قاصدا الحج فإن توقفه بالوكالة يكون لأخذ قسط من الراحة والتزود بما يحتاج، وقد ينقل سلام ووصايا أهالي الجزيرة لأبنائهم بمصر، أو يحمل وصايا الجربيين بمصر إلى مكة أو إلى جربة عند العودة. (1)

المطلب الرابع: تقليص الفجوة بين الطبقات

وذلك بالحرص على التضامن والتكافل الاجتماعي والتعاون: فلا يتوقف الإيواء

(1) سالم بن يعقوب من أصول تاريخ أهل جربة، (مخطوط بحوزتي)، (في دفتر غير مرقم).

الفصل الثالث: دور وقف وكالة الجاموس في التنمية الاجتماعية والاقتصادية

والتكافل والرعاية بعد أسبوع من وصول الوافد فإن الوكالة وقفها دائم وعلاقات أفرادها مبنية على الأخوة خاصة في ديار الغربة فقد قال أبو الربيع عن أهل جربة وتراهم أشد الناس عطفا على بعضهم البعض في الغربة وهم مشهورون بها … ولا تجد أحدا منهم لم يبرح الجزيرة إلا نادرا (1). وتحتل شرائح المرضى والمبتلين بنوازل وكبار السن أولوية في الرعاية والإنقاذ من الأزمات والطوارئ فتتوالى الصدقات والتبرعات التي تسد الحاجة وتحل المشكلات دون من ولا أذى وبأسلوب لا ينال من كرامة المستحقين.

المطلب الخامس: تيسير ودعم تحصين الشباب العزاب بالزواج والمساعدة على نشر العفة ومحاربة الرذيلة، بإيجاد صناديق خاصة، أو جمع تبرعات للمساعدة على امتلاك نصف الدين، فقد ازدادت العلاقات إحكاما بحصول التصاهر بين الأسر المغتربة بمصر، فتزوج الأجيمي من القلالية (2) (زواج سعيد الفوراتي بسليمة بنت الحاج قاسم بن أبي ستة والجربي من النفوسية زواج الحاج مرزوق بن محمد بن جمعة الزيات بفاطمة بنت أحمد المغربي (العمروسي) والميزابي من الجربية (زواج محمد بن أبي إسحاق أطفيش بسعاد بنت مهني بن داود)، أما من عائلة الواقف فقد تزوج عمر الجملي تللعز بنت الحاج أحمد الجملي، ويوجد للجالية مأذون (عدل) يعقد الأنكحة ويحضر معه الشهود (3)، وقد تداخلت الدماء ووقع التلاحم وكثر التفاهم، وحصلت الثقة وتوثق الترابط بالدم الذي لا تنقصم عراه بسهولة، وصار كل فرد يحس بأنه في أسرة واحدة، لا يبخل بمساعدة أخيه، ولا يتحرج من طلب يد العون في ساعة العسرة؛ لتيقنه من تلبية طلبه والتوسعة عليه في إعساره، حتى تنفرج حاله ويصبح هو كافلا لغيره من المحتاجين.

المطلب السادس: خدمات الأكل والشرب، والسكن والعلاج

وهي مضمونة ومستمرة لسكان وكالة الجاموس من طلاب العلم وللتجار العزاب وللوافدين من الحجاج أو ذوي الصفقات المؤقتة كالتجار المتعاملين مع الشام أو تركيا أو الحجاز. لقد فتح أفراد الجالية الجربية أبواب بيوتهم دون حواجز؛ لإيواء الغرباء والمنقطعين؛ وذلك دعما لروابط الدم والإقليم، والموافقة في المذهب. فتيسرت للوافد إقامته، وتوافر له الاستقرار النفسي والاجتماعي، وقدمت له المساعدة في البحث عن مأوى يقي من الحر والبرد والتشرد، وعرضت عليه وظيفة يحصل بها على مطالبه المعيشية ويحقق الكفاف ويدخر من كسبه ما يعينه على كلفة الزواج وتكوين أسرة.

(1) أبو الربيع سليمان الباروني: مختصر تاريخ الإباضية، م. س، ص 4. (2) قلالة قرية بجزيرة جربة.

(3) سالم بن يعقوب: أسر جربية بمصر، (مخطوط بحوزتي).

- 4 V-

-47 -