الوقف الجربي في مصر
الجزء ١ · صفحة ٥٣!
الوقف الجربي في من
مصر
المطلب السابع: استثمار الأراضي الموقوفة
وذلك في مشروعات لتوفير السكن المناسب للمحتاجين وتقديم الخدمات الضرورية، فهذه الضيافة مكفولة للجميع ليس فقط في المناسبات الدينية كشهر رمضان وعاشوراء والمولد وعيد الأضحى، بل في سائر أيام السنة يشهد بذلك ما تعارف عليه الجربيون في (بيت الجماعة) التي يقيمونها في مواطن تجمعاتهم (1)
وما تشير إليه بعض المصادر والوثائق من تكافل الجربيين في الشتات، وإيواء ورعاية لكل وافد (3)، فالأغنياء من التجاريتداولون في الإنفاق بسخاء على طلاب العلم، ويحتضنون سكان الوكالة ومن يرتادها من الضيوف، ويؤمنون حاجاتهم لإيمانهم بالحديث الذي رواه أنس (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (3)، وبالحكمة القائلة (ثلاثة ضيقة سم الخياط، وعين الحسود، وكيس البخيل). لذلك يجود الواقف، والأغنياء من الجربيين بالمال الوفير على المتعلمين؛ ليواصلوا تعليمهم بكل مراحله وتشجيع المتفوق الفقير لتحقيق آماله وتعميق علاقته بأمته، ووطنه والتأثير على سلوكه، وعلاقاته الاجتماعية (1)
لقد تطور العمل الخيري عبر القرون فإلى جانب الوقف على الطلاب بالأموال العينية: وريع العقارات ات كصدقة جارية وجد من النساء من وقفت منازل قرب الوكالة؛ لتؤجر ويستفيد من مردود إيجارها الطلبة الجربيون بالوكالة، كما فعلت آسيا بنت الحاج محمد بن أحمد الشروني (ه)، وزينب بنت سعيد الجوادي التي تبرعت بأموال لطلبة جزيرة جربا). وذكرت بعض المصادر أن للجربيين دورا في الدعوة إلى الإسلام؛ إذ أعلن يهودي من جزيرة جربة إسلامه (7) مما يؤكد سعة العلاقات الاجتماعية لدى هذه الجالية المغتربة وحبها الخير للجميع.
المطلب الثامن: تأمين مقبرة لدفن الموتى بعد تجهيزهم وتكفينهم اتخذت الجالية الجربية مقبرة لدفن موتاها بالقرب من حي طولون بالقاهرة، ويتعاون
(1) بيت الجماعة في تونس والكاف (مدينتان بالجمهورية التونسية). (2) محمود قمبر دراسات تراثية في التربية الإسلامية، ج 3، دار الثقافة الدوحة، ط 1،1989 م ص 383.
(3) محمد البخاري: الجامع الصحيح، ج 1، م. س، باب من الإيمان أن يحب لأخيه، كتاب الإيمان، حديث رقم 13، ص 14. (4) سالم بن يعقوب: مجموعة من آثار علماء جربة (مخطوط بحوزتي).
(5) سالم بن يعقوب أسر جربية، بمصر مخطوط بحوزتي. (6) انظر: وثائق الأزهر سجل رقم 253 وثائق، ص 73.
(7) عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم وثائق المغاربة في الإسكندرية في القرن التاسع عشر، وثيقة رقم 9 سجل 32 ص 185، 1239/ 11/29 هـ ص 537 المجلة التاريخية المغاربية، السنة 28، العدد 104، سبتمبر 2001 م.
في
الفصل الثالث: دور وقف وكالة الجاموس التنمية الاجتماعية والاقتصادية
الجميع في تجهيز الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه وقراءة القرآن عليه، مثلما تذكر وثيقة (1) عن أسرة الليني الذين كانت لهم مقبرة خاصة بالأسرة، ويدفعون أجرة القارئ على التربة، كما كانت لأسرة الشماخي مقبرة خاصة بالقاهرة أيضا، وقد دفن فيها الشيخ أبو إسحاق أطفيش صهر ا
العائلة (2).
لقد علم شيوخ الوكالة أن نفوس أفراد الجالية الجربية لن تتشبع باتجاهات الخير إلا بالتزكية، وتبني قيم الصلاح والاستقامة المنبثقة من الإسلام، فبذلوا جهدهم في بذر المبادئ العقدية والأخلاقية والثقافية، ورسخوا الاعتزاز بالشخصية الأصيلة الرافضة للذوبان، والفعالة في تغيير مجتمعها نحو الأفضل.
كما ركز الشيوخ على التعليم كأساس لبناء الإنسان المسلم ليتصدر موكب الإنسانية ولا يكون تابعا ذليلا، فدعوا إلى بعث جذوة الدين التي وإن خفتت فلا تنطفئ ما دام في الأرض قرآن يتلى ويدرس، وقلوب تطمح لتطبيق شرع الله وعقول وسواعد تجاهد لتحقيق ذلك في الواقع. وزاد اهتمامهم بالعلم والتعليم؛ لأنه مدخل ضروري للتنمية ونقطة انطلاق للتخلص من الأزمات والانحطاط، ويعد التعليم والإعلام معولين خطيرين إن أحسن استعمالهما ملا القلوب بالإيمان، وشحنت العقول بالفهم السليم، وتحقق رصا الصف والبنيان، وإلا كانا الأفكار، وإفراغ النفوس من قيم الإسلام النبيلة. لذلك اعتمد شيوخ الوكالة سببا في تدمير على قاعدة اقرأ وارتق؛ لأن المعرفة سبيل النمو والارتقاء.
الأسلاف
مربي
إن ذكر منجزات الوقف في الميدان الاجتماعي لا يهدف إلى الافتخار بأمجاد السلف بل للتأكيد على الخلف أن يسارع لإحياء سنة الوقف وبعث مؤسساته إذ يمكن أن تتحقق فوائد أكثر في عصرنا نتيجة توافر الإمكانات المادية والبشرية، كما أن الكتابة عن الرواد من الأجيال وصناع الرجال فيه إبراء للساحة من نكران الجميل، وللذمة من الاحتكار؛ ليتخذ الأجداد قدوة يهتدى بنورهم (3). قال شوقي: أعلمت أشرف أو أجل من الذي يبني وينشئ أنفسا وعقولا (4) هذه الرسالة الاجتماعية للوقف جاءت تنفيذا لشروط الواقف في مجال رعاية
(1) سالم بن يعقوب أسر جربية بمصر، مخطوط مكتبة بن يعقوب غيزن جرية دفتر رقم 1. (2) محمد ناصر: أبو إسحاق وجهاده الإسلامي، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، ط 2، 1413 هـ / 1992 م، ص 26. (3) حمو فخار كان حديثا حسنا، نشر جمعية التراث القرارة، المطبعة العربية غرداية، الجزائر، ط 1، 1420 هـ / 2000 م، ص 65. (4) أحمد شوقي: ديوان شوقي، ج 1، تحقيق احمد الحوفي دار نهضة مصر للطبع والنشر الفجالة، القاهرة، ط 1، ص 497.
-99 -
- 94 -