الوقف الجربي في مصر
الجزء ١ · صفحة ٥٤الوقف الجربي في مصر المحتاجين فقد درج وقف الوكالة على توزيع الصدقات في المواسم والأعياد على المستحقين
من الطلاب والعلماء، ومنح إعانات مؤقتة ومرتبات شهرية لأفراد أسرة الواقف من ربع وقف جدهم، ولعتقائه وعبيده برا بهم وإحسانا إليهم، فيجد الطالب ما يساعده على مواصلة دراسته، ويجد المقبل على الزواج ذكرا كان أو أنثى ما ييسر عليه تكاليفه.
المطلب التاسع: الاستفادة من ريع الوقف للعبيد وتقوية روابط المودة بين أفراد العائلة
بمناسبة الحديث عن العبيد فإن علاقتهم بالواقف وبأعيان بعض التجار الذين يملكونهم طيبة؛ حيث شملهم الواقف في الاستفادة من ريع وقفه وفي الدعاء لهم بعد ختم القرآن في رمضان (1) ورغم أن الرق ظاهرة قديمة لم يقرها الإسلام؛ بل أباحها لظروف حتمية ومعاملة بالمثل، فإنّه اهتم بالأسرى فخيرهم بين الفداء بالمال أو الاسترقاق، ورغب في العنق وجعله كفارة لبعض الذنوب، و مصرفا للزكاة، وسوى بين العبد ووليه في الأكل والملبس: (إخوانكم خولكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم، وليكسه مما يكتسي، ولا يكلفه ما لا يطيق فإذا كلفه أعانه) (2). فالعبودية أمر طارئ والحرية هي الأصل لذلك بقي كثير من الأرقاء متعلقين بأوليائهم؛ بل تبع بعضهم سيده من مصر إلى جربة، ولا تزال توجد بالجزيرة أسر من أصول مسترقة (سوداء اللون) تحمل لقب العائلة التي كانت مملوكة لها مثل (الشروني، عوالة، الدواي، ماليو) وذلك لحسن المعاملة التي لقيتها منهم.
وبينما كان القراصنة الصليبيون يختطفون الأحرار من السواحل والجزر، ويستعبدونهم ويسخرونهم في أعمال مهينة وشاقة، ويجرعونهم الجوع والحرمان والتعذيب، نجد الواقف أحمد الجملي يوصي بالإحسان إلى عتقائه، ونجد السلطان برغش سلطان زنجبار الإباضي يوصي بعتق عبيده ومنح جرايات مادية لهم، وبتقسيم أملاكه عليهم (3)
إن هذه التجربة الوقفية وآثارها الاجتماعية بكل إيجابياتها لا تخلو من سلبيات وأخطاء فهي عمل بشري غير معصوم، لذلك فالنقد الذاتي مطلوب، حتى لا يلدغ المسلمون
من جحر مرتين.
ففي فترات الجزر لنشاط الوكالة كثر الحديث والجدل وقل الإنجاز والعمل، ووقعت
(1) انظر وثيفة وقف وكالة الجاموس ص 82 وما بعدها. (2) محمد البخاري: الجامع الصحجيح، م س، ج 1، باب المعاصي من أمر الجاهلية، كتاب الإيمان، حديث رقم 30، ص 20. (3) مخطوط دار الوثائق بزنجبار، انظر حمامة غيث التأثيرات العمانية في زنجبار،، ص 111.
الفصل الثالث: دور وقف وكالة الجاموس في التنمية الاجتماعية والاقتصادية
خلافات مريرة وخصومات عديدة حاول المصلحون تداركها قبل أن تتفاقم فيتم التصالح وتعود الأمور إلى نصابها، والقاعدة تلح أن: (اذكر الخير لينتشر ولا تذكر الشر ليندثر)، وكل
ذا ما تم
جهد يكون في بدايته منطلقا متصاعدا، ثم يبدأ في النزول والانحدار (لكل شيء إذا ما نقصان). . وقد يرتكب الناظر أخطاء في الممارسة تؤثر سلبا على التجربة الوقفية: كأن يصرف عائدات الوقف على مصالحه الشخصية، أو يحابي نفسه أو ولده بتأجير عين الوقف، أو السكن فيه دون أجرة أو بأقل من أجرة المثل.
وإلى جانب الوظيفة الاجتماعية للوكالة في تقوية روابط المودة والمحافظة على صلات الأرحام بين أعضاء العائلة والأسرة الممتدة، فهي مكان للاجتماع في مناسبات الفرح والحزن، تحيى فيها المواسم والأعياد، توسعة على المحتاجين مثل (إفطار جماعي في رمضان ختان، توزيع أكسية تبرعات عينية ومادية، إكرام الضيوف والعناية بهم). إن الواقف ضحى بماله في سبيل خدمة الآخرين، وأحب الخير لهم وآثرهم بصدقته الجارية تأمينا لاحتياجاتهم ورعاية لشؤونهم، وتحرر من حب الذات والأثرة التي تستولي على الذي يكنز ماله فيعرض خدمة المصلحة العامة، فريع الوقف يلبي حاجة اجتماعية واقتصادية، إذ ينفق منه على عن من يتولى تقديم خدمات الضيافة من طهي طعام، وتنظيف واستقبال، وحراسة، خاصة والوكالة تستضيف المارين بها من تجار وحجاج وطلبة علم.
إن الدارس لوثائق المغاربة المقيمين بالإسكندرية مثلا يجد أن أبناء جربة يمثلون أكثرية فيها، ويعجب لترابطهم ووقوفهم صفا واحدا في مواجهة المشاكل، وكان لوحدتهم الاجتماعية وتضامنهم الاقتصادي وتأثيرهم في الحياة الثقافية، ما أعطى للمدينة طابعا مغربيا لا ينكر إلى الآن» (1).
إن مشاعر التراحم، والمودة تترجم بالتزاور والتكافل، فالقريب الموسر ينفق على أرحامه المحتاجين وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيل) (2) ولا جناح على المسلم أن يوجه رعاية أكبر لأهله ووطنه الخاص فهو أمر فطري ضمن الدائرة الإسلامية والولاء للدين.
(1) عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم وثائق المغاربة في الإسكندرية في القرن التاسع عشر المجلة التاريخية المغاربية، السنة 1997 م، العدد 87 و 88، ص 568. (2) سورة الإسراء جزء من آية 26.
;
--